في السياسة لا تحتاج بعض الرسائل إلى بلاغ رسمي حتى تفهم دلالاتها، كما أن بعض اللقاءات لا تكون مجرد صور عابرة، خصوصا عندما تجمع بين فاعلين من حزب واحد ومنتخبين ينتمون إلى ألوان سياسية مختلفة، وفي توقيت انتخابي حساس.
ومن هذه الزاوية تحديدا يمكن قراءة اللقاء الذي جمع حمدي ولد الرشيد ومولاي خطري حنيني، وهما من حزب الاستقلال، بعدد من المنتخبين والفعاليات المحسوبة على أحزاب أخرى.
اللقاء يأتي في لحظة سياسية لا يمكن فصلها عن سياق الاستحقاقات المقبلة.. فالانتخابات التشريعية لم يعد يفصل عنها سوى أسابيع قليلة، بينما تبقى الانتخابات الجماعية على مسافة تقارب السنة.
وبين الموعدين تتحرك الأحزاب، وتفتح قنوات التواصل، وتختبر العلاقات وتبدأ كل جهة في قراءة الخريطة السياسية ومحاولة استشراف ما يمكن أن تحمله المرحلة القادمة من تحالفات وانتقالات وإعادة تموقع.
ومع ذلك فإن الإنصاف يقتضي التأكيد أن كل واحد من المنتخبين الذين حضروا اللقاء ما يزال إلى حدود الساعة في لونه الحزبي الحالي، ولم يصدر ما يفيد انتقال أي منهم رسميا إلى حزب الاستقلال.
وبالتالي فإن الحديث عن التحاق محسوم أو انتقال نهائي يظل سابقا لأوانه، لأن مثل هذه القرارات لا تتضح عادة إلا مع اقتراب الانتخابات الجماعية، حين تصبح مسألة البقاء داخل الحزب أو الانتقال إلى حزب آخر مرتبطة بحسابات التزكية والتحالفات وموازين القوى المحلية.
لكن هذا لا يمنع من قراءة الرسائل السياسية التي يحملها اللقاء.
فوجود حمدي ولد الرشيد، باعتباره أحد أبرز وجوه حزب الاستقلال، إلى جانب مولاي خطري حنيني، في لقاء يضم منتخبين من أحزاب أخرى، يعطي الانطباع بأن الاستقلاليين بدأوا مبكرا في توسيع دائرة التواصل وفتح قنوات مع شخصيات لها وزنها داخل المشهد المحلي. وهنا لا يصبح السؤال فقط من انتقل إلى من..؟ بل الأهم من بدأ في استقطاب من..؟ ومن يتحرك قبل الآخر..؟
فالاستقطاب السياسي لا يبدأ يوم إيداع الترشيحات، بل يبدأ قبل ذلك بوقت طويل، من خلال اللقاءات وبناء الثقة وتقريب وجهات النظر وفتح المجال أمام احتمالات جديدة.
ومن هذه الناحية يمكن اعتبار لقاء أمكالة رسالة موجهة إلى باقي الفرقاء السياسيين، مفادها أن حزب الاستقلال حاضر في الميدان، وأنه بدأ الاشتغال على المرحلة المقبلة منذ الآن، حتى وإن لم تترجم هذه التحركات بعد إلى انتقالات حزبية معلنة.
وفي المقابل سيكون من المبالغة اعتبار كل لقاء إعلانا عن تحالف جديد، كما سيكون من السذاجة التعامل معه وكأنه خال تماما من الأبعاد السياسية.
فالواقع يوجد بين الأمرين.. لا انتقالات محسومة اليوم، لكن هناك حركية سياسية واضحة، وتواصل بين أطراف من مشارب حزبية مختلفة، وهو ما يجعل باب الاحتمالات مفتوحا على أكثر من سيناريو.
ومع اقتراب الانتخابات الجماعية ستبدأ الصورة في الوضوح أكثر، وسيظهر من سيختار الاستمرار داخل حزبه، ومن سيبحث عن موقع جديد، ومن ستقوده حسابات المرحلة إلى تغيير الاصطفاف.
عندها فقط يمكن الحديث بلغة الحسم، أما اليوم فالمتاح هو قراءة المؤشرات لا إعلان النتائج قبل أوانها.
وبهذا المعنى فإن لقاء أمكالة قد يكون مجرد محطة تواصلية، وقد يكون أيضا بداية لمسار سياسي أطول.
لكن المؤكد أن الصورة وصلت إلى باقي الفاعلين، ورسالتها لم تكن خافية.. الاستقلاليون يتحركون ومرحلة الاستقطاب ربما بدأت فعلاً قبل موعدها.
وفي السياسة كثيرا ما تبدأ التحولات الكبرى بلقاء صغير، ثم تتضح معالمها عندما تقترب ساعة الاختيار.




