أعلنت الحكومة الفرنسية، مساء الخميس، تعبئة ثلاثة آلاف أستاذ بديل لتغطية الخصاص في أكثر من 500 ثانوية، في محاولة للاستجابة لمطالب الحركة الاحتجاجية الطلابية التي عادت إلى الشوارع الفرنسية، بمشاركة 71 ألفا و500 متظاهر، بينهم 24 ألفا و500 في باريس، وسط مواجهات مع قوات الأمن أسفرت عن مئات التوقيفات وإصابة العشرات من عناصر الشرطة والدرك.
وجاء الإعلان الحكومي بعد يوم جديد من التعبئة التي تشهدها فرنسا منذ 17 شتنبر الماضي، احتجاجا على ظروف الدراسة ونقص الأطر التعليمية وتدهور بعض المباني المدرسية، إلى جانب المطالبة بمراجعة نظام الولوج إلى التعليم العالي، فيما تحولت ساحة الباستيل في العاصمة إلى أبرز مواقع الاحتجاج، بعدما احتشد فيها آلاف الشباب رافعين شعارات تطالب بزيادة الإنفاق على التعليم وتحسين أوضاع المؤسسات.
وكشفت وزارة الداخلية الفرنسية أن مظاهرات الخميس شهدت توقيف 504 أشخاص وإصابة 48 من عناصر الشرطة والدرك، مشيرة إلى ارتفاع مستوى أعمال العنف المسجلة على هامش التجمعات السلمية، بينما استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق محتجين في باريس، عقب حوادث رشق بالحجارة وإطلاق مقذوفات نارية باتجاه عناصر الشرطة.
وتزامنت هذه التطورات مع إعلان التنظيمات الطلابية والنقابية مواصلة التعبئة، وتحديد الثلاثاء 13 أكتوبر موعدا ليوم جديد من المظاهرات والإضرابات، في مؤشر إلى أن الإجراءات الحكومية المعلنة لم تنجح حتى الآن في إقناع ممثلي المحتجين بإنهاء تحركاتهم.
ثلاثة آلاف أستاذ لتغطية الخصاص في الثانويات
أعلن وزير التربية الوطنية الفرنسي، إدوار جيفري، خلال مشاركته في النشرة الإخبارية المسائية لقناة “TF1″، أن ثلاثة آلاف أستاذ بديل سيلتحقون خلال الساعات والأيام المقبلة بالمؤسسات التعليمية التي تواجه أكبر الصعوبات في توفير المدرسين وتعويض حالات الغياب.
وأوضح الوزير أن مصالح وزارته تمكنت، باستخدام برنامج معلوماتي بدأ اعتماده خلال الموسم الدراسي الحالي، من تحديد 114 ثانوية تعيش وضعية وصفها بالحرجة، إلى جانب 400 مؤسسة أخرى تواجه صعوبات مهمة تستدعي تدخلا سريعا.
وأكد المسؤول الحكومي أن الأساتذة الثلاثة آلاف المعنيين بالعملية موجودون ضمن الموارد البشرية المتاحة، لكنهم لا يتولون حاليا التدريس أمام التلاميذ، مشيرا إلى أنه سيجري توجيههم نحو المؤسسات التي تعاني الخصاص، في إطار إعادة توزيع الأطر التعليمية وفق الحاجيات المسجلة.
وتتضمن التدابير المعلنة السماح للمسؤولين الأكاديميين بتوظيف بضع مئات من المدرسين الإضافيين، إلى جانب تخصيص مئات الآلاف من الساعات الإضافية لفائدة إدارات الثانويات، بما يمكن الأساتذة المتطوعين من تعويض زملائهم خلال فترات الغياب القصيرة.
وقال جيفري إن هذه الإجراءات ستكلف عشرات الملايين من اليوروهات خلال السنة الجارية، موضحا أن الحكومة تعمل على إعداد تدابير إضافية ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، بهدف معالجة الصعوبات المرتبطة بتوفير المدرسين واستمرارية الحصص الدراسية.
ويرتبط هذا التحرك بأحد أبرز مطالب الحركة الطلابية، التي تشتكي من ضياع ساعات دراسية بسبب غياب الأساتذة وعدم توفير بدلاء في الوقت المناسب، فضلا عن مشكلات تتعلق بالاكتظاظ وتجهيز المؤسسات وظروف التعلم.
وفي السياق نفسه، أعلن الوزير الأول الفرنسي، سيباستيان لوكورنو، أن الحكومة ستقدم تعديلات على مشروع قانون المالية لسنة 2027، لترجمة بعض المقترحات التي تقدم بها تلاميذ الثانويات إلى إجراءات عملية، خصوصا في ملف تعويض الأساتذة المتغيبين.
وشدد لوكورنو، في منشور على منصة “إكس”، على أن كل ساعة دراسية تضيع بسبب عدم تعويض أستاذ غائب تؤثر في المسار التعليمي للتلاميذ، معتبرا أن معالجة هذه المشكلة تستجيب لانشغال أساسي عبر عنه الشباب خلال تحركاتهم.
وكانت وزارة التربية الوطنية قد أطلقت، الاثنين الماضي، منصة إلكترونية للتشاور مع تلاميذ الثانويات، تسمح لهم بعرض مطالبهم وملاحظاتهم بشأن أوضاع المؤسسات التعليمية، على أن تستفيد الحكومة من المقترحات الواردة عبرها في إعداد بعض الإجراءات المرتبطة بميزانية التعليم.
ووصف وزير التربية الوطنية هذه الخطوة بأنها فرصة لإشراك التلاميذ في النقاش المتعلق بالاعتمادات المخصصة لقطاع التعليم، مؤكدا أن وزارته ستدرس المطالب المقدمة على مستوى كل مؤسسة، إلى جانب إعداد استجابات عامة للمشكلات المشتركة.
غير أن الإعلان عن هذه التدابير لم ينه الخلاف بين الحكومة وممثلي الحركة الاحتجاجية، إذ خرجت التنظيمات الطلابية من اجتماع عقدته الخميس مع مسؤولي وزارتي التربية الوطنية والتعليم العالي بمواقف متباينة، بعدما عبر بعض ممثليها عن عدم رضاهم عن نتائج المحادثات، بينما اعتبر تنظيم “التجديد الثانوي” أن اللقاء أفضى إلى تقدم في عدد من الملفات.
الباستيل تتحول إلى مركز للاحتجاجات والمواجهات
شهدت ساحة الباستيل، وسط العاصمة باريس، أحد أكبر التجمعات الطلابية خلال مظاهرات الخميس، بعدما احتشد فيها عشرات الآلاف من الشباب للمطالبة بتحسين ظروف الدراسة وتوفير موارد مالية إضافية للمؤسسات التعليمية.
ورفع متظاهرون لافتة كبيرة تحمل عبارة “الجيل زد غاضب” فوق عمود يوليو الشهير في الساحة، بينما ردد آخرون شعارات تنتقد أوضاع المدارس وأولويات السياسة التعليمية، من بينها شعار يشير إلى ارتفاع درجات الحرارة داخل الأقسام الدراسية مقابل التركيز على تنظيم استعمال الهواتف المحمولة.
وحملت هذه الشعارات مطالب تتعلق بالحياة اليومية داخل المؤسسات، في وقت يطالب فيه المحتجون بإصلاح المباني المدرسية وتوفير تجهيزات مناسبة للدراسة، إلى جانب معالجة النقص في الأطر التعليمية.
ومع اقتراب نهاية التجمع، شهد محيط الساحة مواجهات بين مجموعات من المحتجين وقوات الأمن، بعدما تعرض عناصر الشرطة للرشق بالحجارة ومقذوفات نارية، قبل أن تتدخل القوات باستخدام خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين.
وأفادت مديرية شرطة باريس بأن مجموعة تضم نحو عشرين شخصا من المنتمين إلى ما يعرف بمجموعات “بلاك بلوك” شاركت في رشق القوات الأمنية بأجزاء من تجهيزات الشوارع، مشيرة إلى تسجيل حوادث متفرقة في محيط الساحة.
وأعلنت وزارة الداخلية الفرنسية أن عدد المشاركين في مظاهرات الخميس بلغ 71 ألفا و500 شخص في مختلف أنحاء البلاد، بينهم 24 ألفا و500 في باريس، فيما أسفرت الأحداث عن توقيف 504 أشخاص وإصابة 48 من عناصر الشرطة والدرك.
واعتبرت الوزارة أن أعمال العنف المسجلة على هامش الاحتجاجات السلمية شهدت ارتفاعا، لافتة إلى وقوع حوادث طالت مؤسسات تعليمية وأطرا تربوية في عدد من المناطق.
وفي مدينة بلفور، أعلن القضاء متابعة ثلاثة تلاميذ إضافيين للاشتباه في مشاركتهم في الاعتداء على شرطي خلال احتجاجات سابقة، بعدما كانت الإجراءات القضائية قد شملت مشتبهين آخرين في القضية نفسها.
وبالقرب من بوردو، تعرضت ثانوية لأعمال تخريب جزئية، شملت سرقة نحو عشرة حواسيب وإضرام النار في أوراق داخل المؤسسة، ما تسبب في خسائر قدرتها إدارتها بمئات الآلاف من اليوروهات.
وشهدت مدينة مونبلييه تطورا قضائيا مرتبطا بالتوترات المصاحبة للاحتجاجات، بعدما تقدم الصحافي المصور فالنتان ليفيتي بشكوى على خلفية اصطدام دراجة نارية يقودها شرطي به أثناء تغطيته مظاهرة أمام ثانوية كليمنصو في الثاني من أكتوبر الجاري.




