يواجه سوق العقار بالمغرب تحديات اقتصادية متزايدة، في ظل استمرار ارتفاع أسعار مواد البناء والعقار، مقابل تراجع القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين، وهو ما يثير مخاوف المهنيين من دخول القطاع مرحلة من الركود، خاصة في ما يتعلق بالسكن الاقتصادي والمتوسط الموجه للأسر ذات الدخل المحدود.
وتكشف المعطيات المتداولة في الأوساط المهنية عن اتساع الفجوة بين أسعار الشقق والمساكن المعروضة للبيع والإمكانات المالية للأسر المغربية، حيث أصبحت كلفة اقتناء مسكن تشكل عبئا متزايدا على عدد من الراغبين في التملك خصوصا الشباب والأسر حديثة التكوين.
وتتداخل عدة عوامل في تفسير هذه الوضعية، من أبرزها ارتفاع أسعار الأراضي المخصصة للبناء، وتزايد تكاليف المواد الأساسية واليد العاملة، فضلا عن المصاريف المرتبطة بالتجهيز والربط بالشبكات والخدمات، وهي عوامل تنعكس بصورة مباشرة على الكلفة النهائية للمساكن.
وفي المقابل لم تعرف القدرة الشرائية للمواطنين تطورا يوازي الارتفاع المسجل في تكاليف السكن، الأمر الذي دفع عددا من الأسر إلى تأجيل مشاريع اقتناء مساكن، أو الاستمرار في الكراء أو اللجوء إلى القروض البنكية طويلة الأمد، بما يترتب عنها من التزامات مالية قد تستمر لسنوات طويلة.
وفي هذا السياق أشار المحلل الاقتصادي محمد جدري، في تصريحات صحفية، إلى أن الإشكال لا يرتبط فقط بارتفاع تكاليف الإنتاج، وإنما يمتد إلى طبيعة الأسعار المعتمدة داخل السوق، ومدى ملاءمتها للإمكانات الحقيقية للأسر المغربية، في ظل استمرار التفاوت بين العرض العقاري والطلب الفعلي.
كما تبرز ضمن الإكراهات التي تواجه بعض المشترين ممارسات غير قانونية محتملة، من قبيل المطالبة بمبالغ إضافية خارج الثمن المصرح به في العقود، وهي ممارسات من شأنها، متى ثبتت، أن تزيد من الأعباء المالية على المواطنين وتؤثر في شفافية المعاملات العقارية.
ومن جهتهم يؤكد مهنيون في قطاع الإنعاش العقاري أن ارتفاع تكاليف البناء يشكل تحديا حقيقيا أمام المقاولات، خاصة تلك التي تشتغل في مجال السكن الاقتصادي، بالنظر إلى صعوبة المحافظة على أسعار بيع مناسبة دون التأثير في التوازنات المالية للمشاريع.
وفي هذا الإطار أوضح أمين نقطة نائب رئيس الفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين، أن ارتفاع أسعار العقار ومواد البناء واليد العاملة يحد من قدرة المنعشين على توفير مساكن بالأسعار التي كانت معتمدة خلال السنوات الماضية، داعيا إلى مراعاة الاختلافات المجالية عند تقييم برامج دعم السكن.
ورغم اعتماد برامج عمومية لتسهيل الولوج إلى السكن، فإن النقاش لا يزال قائما حول مدى انعكاس هذه التدابير على الأسعار النهائية للعقارات، ومدى استفادة الفئات المستهدفة منها، خاصة في المدن التي تعرف ارتفاعا ملحوظا في أثمنة الأراضي والشقق.
كما يطرح الوضع الراهن تساؤلات بشأن مستقبل المقاولات الصغرى والمتوسطة العاملة في البناء، بالنظر إلى ارتباط نشاطها بحجم الطلب على المساكن، وما قد يترتب عن تباطؤ المعاملات العقارية من تأثيرات على فرص الشغل والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالقطاع.
ولا تقتصر انعكاسات هذه الوضعية على المنعشين العقاريين والمشترين، بل تمتد إلى قطاعات متعددة، من بينها صناعة مواد البناء والنقل والخدمات الهندسية والحرف المرتبطة بالتشييد، باعتبار العقار من القطاعات التي تساهم في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني.
وفي ظل هذه التحديات، تتزايد الدعوات إلى البحث عن حلول عملية تساهم في تخفيض كلفة الإنتاج، وتوفير عرض سكني يتلاءم مع القدرة الشرائية للأسر، إلى جانب تعزيز مراقبة المعاملات العقارية ومحاربة الممارسات التي قد تؤدي إلى تضخيم الأسعار بصورة غير مبررة.
ويرى متابعون أن معالجة الاختلالات التي يعرفها القطاع تتطلب مقاربة متكاملة، تقوم على تشجيع الاستثمار المنتج، وتيسير الولوج إلى العقار المخصص للبناء، وتحسين شروط التمويل، وضمان وصول الدعم العمومي إلى الفئات المستحقة.
ويبقى التحدي الأساسي أمام سوق العقار بالمغرب هو تحقيق التوازن بين استمرارية نشاط المقاولات العقارية وقدرة المواطنين على اقتناء سكن لائق بما يحول دون اتساع الفجوة بين العرض والطلب.
ورغم المخاوف المتزايدة من تباطؤ النشاط، فإن الحديث عن ركود شامل في السوق العقارية الوطنية يظل بحاجة إلى مؤشرات رسمية حديثة بشأن حجم المعاملات والمبيعات والأسعار، إذ قد تختلف الأوضاع من مدينة إلى أخرى ومن فئة سكنية إلى أخرى.




