كشف تقرير دولي حديث حول الأمن السيبراني بالقارة الإفريقية عن تصاعد ملحوظ في حجم الهجمات الإلكترونية التي تستهدف المؤسسات والأنظمة المعلوماتية، واضعا المغرب في المرتبة الثالثة إفريقيا من حيث عدد الحوادث السيبرانية المرصودة خلال سنة 2025، في مؤشر يعكس حجم التحديات الأمنية التي ترافق التوسع المتسارع في استخدام التكنولوجيا والخدمات الرقمية.
وأوضح التقرير الصادر عن مؤسسة “ماستركارد” تحت عنوان “سباق الدفاع الرقمي في إفريقيا” بتاريخ 12 أكتوبر 2026، أن المغرب استحوذ على نحو 10,6 في المائة من مجموع الحوادث السيبرانية التي رصدتها المؤسسة على مستوى القارة الإفريقية خلال السنة الماضية، ليحل خلف نيجيريا التي سجلت 24,4 في المائة، وجنوب إفريقيا بنسبة 12,6 في المائة.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، فقد جرى رصد 69 ألفا و236 حادثا سيبرانيا استهدف مؤسسات إفريقية خلال سنة 2025، بمعدل يقارب حادثا واحدا كل ثماني دقائق، فيما استحوذت أربع دول، هي نيجيريا وجنوب إفريقيا والمغرب وكينيا، على 54,7 في المائة من مجموع الحوادث المرصودة.
وسجل التقرير أن الهجمات السيبرانية بالقارة الإفريقية ارتفعت بنسبة تجاوزت 421 في المائة خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2016 و2025، مقابل ارتفاع عالمي بلغ نحو 307 في المائة خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس تسارع التهديدات الرقمية بإفريقيا مقارنة بالمعدل العالمي.
وأشار المصدر ذاته إلى أن قطاع التكنولوجيا تصدر قائمة القطاعات الأكثر استهدافا، متبوعا بالمؤسسات العمومية والقطاع المالي، حيث استحوذت هذه القطاعات مجتمعة على 44 في المائة من النشاط السيبراني العدائي المرصود بالقارة.
وفي ما يتعلق بالمغرب أبرز التقرير أن المملكة أصبحت من الاقتصادات الإفريقية التي تعرف توسعا مهما في الخدمات الرقمية، مستفيدة من انتشار الإنترنت وتطور الخدمات البنكية والمالية الإلكترونية، فضلا عن موقعها باعتبارها حلقة وصل تكنولوجية بين شمال إفريقيا وأوروبا.
غير أن هذا التطور وفق التقرير يرافقه ارتفاع في طبيعة المخاطر المرتبطة بأمن المعلومات وحماية المعطيات الشخصية، خصوصا في ظل تزايد اعتماد المؤسسات العمومية والمقاولات والأفراد على المنصات الرقمية في تدبير معاملاتهم اليومية.
وتوقف التقرير عند بعض التهديدات التي استهدفت مؤسسات عمومية مغربية تحتفظ بمعطيات حساسة، مشيرا إلى أن جانبا من هذه الهجمات ارتبط بدوافع جيوسياسية، إلى جانب التهديدات التقليدية ذات الطابع المالي والإجرامي.
كما حذر من تنامي نشاط المجموعات الإجرامية المنظمة التي تستعمل البرمجيات الخبيثة وبرامج الفدية وأساليب الاحتيال الإلكتروني، بما في ذلك الرسائل المزيفة ومحاولات الاستيلاء على كلمات المرور والبيانات البنكية.
وفي المقابل أشار التقرير إلى أن المغرب يتوفر على إطار مؤسساتي متقدم نسبيا في مجال حكامة الأمن السيبراني، وهو ما يشكل قاعدة لتعزيز حماية الأنظمة المعلوماتية وتطوير قدرات التصدي للهجمات الإلكترونية.
وعلى الصعيد الإفريقي نبه التقرير إلى الخصاص المسجل في الكفاءات المتخصصة، مشيرا إلى وجود نحو 200 ألف منصب شغل شاغر في مجال الأمن السيبراني، الأمر الذي يطرح تحديات إضافية أمام المؤسسات الراغبة في تطوير أنظمة الحماية والمراقبة والاستجابة للحوادث.
ودعت الدراسة إلى تكثيف الاستثمار في التكوين والبحث والتطوير، وتعزيز التعاون بين المؤسسات العمومية والقطاع الخاص، إلى جانب تبادل المعلومات والخبرات لمواجهة التهديدات الإلكترونية العابرة للحدود.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، في ظل توجهه نحو تعميم الخدمات الإدارية الرقمية وتوسيع استخدام وسائل الأداء الإلكتروني، بما يجعل حماية المعطيات الشخصية وضمان استمرارية الخدمات العمومية من الرهانات الأساسية للتحول الرقمي.
كما تفرض هذه التطورات على المؤسسات الإعلامية والمقاولات والجماعات الترابية مزيدا من اليقظة في تدبير مواقعها الإلكترونية وحساباتها الرسمية وقواعد بياناتها، خاصة مع تنامي محاولات الاختراق وانتحال الهوية ونشر المحتويات الاحتيالية.
وتجدر الإشارة إلى أن المرتبة الثالثة التي سجلها المغرب تعكس حصته من الحوادث التي رصدتها منظومة “ماستركارد” خلال سنة 2025، ولا تعني بالضرورة أنه ثالث أضعف بلد إفريقي من حيث مستوى الحماية الرقمية، كما لا تمثل إحصاء شاملا لجميع الهجمات التي شهدتها القارة.
ويعيد هذا التقرير إلى الواجهة أهمية الأمن السيبراني باعتباره جزءا أساسيا من حماية المؤسسات والمواطنين والاقتصاد الوطني، في مرحلة لم تعد فيها المخاطر الرقمية مقتصرة على الأنظمة التقنية، بل أصبحت ترتبط مباشرة بالثقة في الخدمات العمومية والمعاملات المالية والحياة اليومية للأفراد.




