قيمة الرجل في ما ينجز لا في ما يظهر.. مولاي خطري حنيني والعمل الذي يتحدث بصمت..!

10 سبتمبر 2026
قيمة الرجل في ما ينجز لا في ما يظهر.. مولاي خطري حنيني والعمل الذي يتحدث بصمت..!

من لا يعرف طريقة مولاي خطري ولد البوهالي حنيني في الاشتغال، قد يظن أن قلة ظهوره تعني ابتعادا وأن غيابه عن بعض اللقاءات أو الصور الجماعية يعني فتورا في حضوره السياسي. لكن من يعرف الرجل عن قرب ويتابع مساره على رأس جماعة التفاريتي وداخل حزب الاستقلال، يدرك أن هناك شخصيات لا تقيس وزنها بعدد المرات التي تظهر فيها أمام العدسات، ولا تحتاج في كل محطة إلى صورة تثبت أنها كانت حاضرة لأنها اختارت منذ البداية أن تجعل العمل والنتائج يتحدثان عنها.

 

مولاي خطري من طينة الرجال الذين يفضلون الاشتغال بعيدا عن الضجيج. قليل الظهور هادئ في تحركاته لكنه ليس قليل التأثير. رجل يعمل في صمت ويضرب له ألف حساب لما راكمه من تجربة وما أصبح يمثله من وزن سياسي داخل الإقليم، حتى غدا واحدا من الأسماء التي يصعب تجاوزها عند قراءة التوازنات والتحالفات والخارطة السياسية المحلية.

 

ولعل ما يميز الرجل أكثر أنه لا يتحرك بعشوائية ولا يتخذ مواقفه على وقع الانفعال. فالمشورة عنده جزء من التدبير، وحوله مستشارون وأشخاص على دراية بالقانون وبمدخلاته ومخرجاته، وهو حريص على أن تكون خطواته محسوبة وأن تظل قراراته داخل ما يسمح به القانون. وهذا النوع من التدبير قد لا يصنع كثيرا من الضجيج، لكنه يمنح صاحبه قدرة على قراءة المواقف قبل اتخاذ القرار وعلى معرفة أين يضع قدمه قبل أن يتقدم خطوة أخرى.

 

وفي السياسة كما في الحياة لا تعني كثرة الحضور دائما كثرة التأثير. فقد يملأ البعض المشهد صورا وتصريحات ولقاءات، بينما يختار آخرون أن يملؤوا الميدان عملا وتنظيما وتواصلا. والفارق الحقيقي بين الأسلوبين لا يظهر دائما لحظة التقاط الصورة، بل يظهر عندما تأتي ساعة الحساب وتتحول الانطباعات إلى أرقام ونتائج.

 

واستحقاقات سنة 2021 وسابقاقتها تقدم جزءا مهما من الصورة. فجماعة التفاريتي خرجت آنذاك استقلالية بالكامل ومن دون معارضة داخل المجلس، وهي نتيجة لا يمكن اختزالها في يوم الاقتراع وحده، وإنما تعكس عملا تنظيميا وتعبئة سبقت الصندوق. فالنتائج لا تنبت من فراغ، ولا تصنع في اللحظات الأخيرة، بل تأتي بعد تراكم من الثقة والتواصل والحضور داخل المجتمع.

 

وما يزيد من حضور مولاي خطري بين الناس أنه لم يجعل السياسة مجرد مواقع وانتخابات، بل ظل وفق الإمكانيات المتاحة له قريبا من قضاء حوائج المواطنين ومحاولة التدخل فيما يمكن التدخل فيه. وهي تفاصيل قد تبدو صغيرة في ميزان الخطابات الكبيرة، لكنها في ميزان الناس تصنع الفارق لأن المواطن قد ينسى خطابا سمعه، لكنه لا ينسى من وقف إلى جانبه حين احتاج إليه.

 

وإلى جانب ذلك يعرف عنه ارتباطه بمنطقته وغيرته عليها، وتمسكه بمواقف يعتبرها من صميم الواجب الوطني وخدمة المجال الذي ينتمي إليه. وهو ما ساهم في بناء قاعدة ثابتة من المؤيدين لمساره السياسي، قاعدة لا تحتاج في كل مناسبة إلى إعادة التعريف بنفسها، ومتى دعت الحاجة إلى التعبئة حضرت ولبت النداء.

 

ولعل احترام الرجل في محيطه لا يرتبط فقط بموقعه كرئيس جماعة أو بمنصبه الحزبي، وإنما كذلك بأسلوبه في إدارة علاقاته. فهو قادر على الحفاظ على أنصاره، وفي الوقت نفسه التواصل مع المخالفين ومحاولة استقطاب من يقف في الجهة الأخرى، دون أن يجعل الاختلاف السياسي سببا دائما للقطيعة. وتلك إحدى أدوات السياسة التي لا تظهر في الصور لكنها تظهر في النتائج.

 

ولهذا يقول المثل الصحراوي البليغ “الغايب ما يسول عن كم فوّت..!! يسول إلا عن اللّي جاب” وفي هذه الحكمة اختصار لكثير مما يقال اليوم. فالمهم ليس كم اجتماعا حضرت، ولا كم صورة التقطت لك، ولا كم مرة ظهر اسمك في مقدمة المشهد، وإنما ماذا صنعت في النهاية، وما الذي استطعت أن تضيفه عندما وصلت ساعة الاختبار.

 

ومولاي خطري وفق هذا المنطق، لا يبدو منشغلا كثيرا بإثبات وجوده أمام الكاميرات، بقدر انشغاله بتثبيت حضوره على الأرض. يرتب صفوفه.. يتواصل مع أنصاره ويوسع دائرة علاقاته، يستشير قبل التحرك ويشتغل على استقطاب من كانوا بالأمس في مواقع مخالفة. وقد لا يرى المتابع من بعيد هذه التفاصيل كلها، لكن أهل السياسة يعرفون أن ما يجري بعيدا عن المنصات قد يكون أحيانا أهم مما يظهر فوقها.

 

وفي زمن أصبحت فيه الصورة أحيانا أكبر من الفعل، يصبح العمل الهادئ موقفا في حد ذاته. وليس في الظهور عيب، فالتواصل جزء أساسي من السياسة لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الصورة إلى بديل عن الإنجاز وحين يصبح الانطباع أهم من النتيجة.

 

قيمة مولاي خطري ولد البوهالي في النهاية ليست في كونه بعيدا عن الأضواء أو قريبا منها، وإنما في قدرته على الحفاظ على وزنه السياسي وقاعدته، وفي أن يظل رقما حاضرا في معادلات الإقليم حتى عندما لا يكون حاضرا في الصورة. وهذه ربما إحدى أهم صفات السياسي الذي يعرف متى يتحدث ومتى يصمت ومتى يتحرك ومتى يترك للنتائج أن تتكلم نيابة عنه.

 

والأيام المقبلة وحدها ستكشف حجم ما تم إنجازه بعيدا عن العدسات. وحين تصل ساعة الحقيقة لن يكون السؤال..! أين كان مولاي خطري حنيني..؟ وكم لقاء حضر..؟ وكم صورة ظهر فيها..؟ بل سيعود السؤال الصحراوي القديم بكل بساطته وعمقه.. “شجاب معاه..”؟

 

وهناك فقط تتحول تلك التفاصيل الصغيرة التي لم يرها الجميع إلى قيمة سياسية كبيرة لا تحتاج إلى كثير من الكلام.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.