من “ألغام الطريق” سنة 2021 إلى ألغام الإسفلت اليوم.. بالوعات السمارة جرح قديم يرفض أن يندمل

4 أكتوبر 2026
من “ألغام الطريق” سنة 2021 إلى ألغام الإسفلت اليوم.. بالوعات السمارة جرح قديم يرفض أن يندمل

 

قبل خمس سنوات وتحديدا سنة 2021، نشرت “صوت السمارة” قراءة حملت عنوان “البلدية الجديدة.. حماس البداية وألغام الطريق” حاولنا من خلالها استشراف ما ينتظر المجلس الجماعي الجديد آنذاك وقلنا إن الطريق لن يكون مفروشا بالنوايا الحسنة، وإن أمامه إرثا ثقيلا واختلالات متراكمة، وبنية تدبيرية مثقلة بعقود من الترقيع والارتجال، وألغاما كثيرة تحتاج إلى تفكيك قبل الحديث عن أي تغيير حقيقي.

واليوم وبعد مرور سنوات يبدو أن بعض تلك “الألغام” لم تبق مجرد استعارة سياسية أو إدارية، بل صارت ألغاما حقيقية تحت عجلات السيارات وأقدام المارة؛ بالوعات متهالكة، حفر متكررة، أرصفة مقطعة، طرقات مزروعة بالشقوق، وأشغال تفتح ثم تغلق ثم تعاد من جديد، في مسلسل لم يكتب له بعد أن يصل إلى حلقته الأخيرة.

في جولة صباحية بعدد من أحياء وشوارع السمارة، وقفنا على مشاهد يصعب اعتبارها مجرد أعطاب عابرة، بقدر ما تعكس إشكالا بنيويا أعمق، يتمثل في هشاشة أجزاء من شبكات الماء والتطهير، وضعف التنسيق بين المتدخلين، واستمرار منطق “افتح.. أصلح.. اردم.. ثم عد من جديد”، وكأن شوارع المدينة تحولت إلى ورش أبدي لا يعرف الاستقرار.

فالمتجول في السمارة سيلاحظ بسهولة أن طرقا كثيرة لم تعد تحمل ملامحها الأصلية؛ رقع إسفلت فوق رقع، شقوق تمتد من جوانب البالوعات، أرصفة أعيد تركيبها بشكل غير متجانس، وحفر تظهر في المكان نفسه بعد كل تسرب أو تدخل. وهنا لا نتحدث فقط عن تشويه للمنظر العام بل عن استنزاف حقيقي للبنية التحتية.

فالطريق التي تفتح مرة بعد مرة تفقد تماسكها، والرصيف الذي يفك ثم يعاد تركيبه دون احترام المعايير يفقد وظيفته، والبالوعة التي ترمم ترقيعا بدل معالجة سبب عطبها تتحول إلى موعد مؤجل مع عطب جديد. ومن هنا يعود عنواننا القديم “ألغام الطريق” بواقعية أكبر مما توقعناه.

حينها كان المقصود بالألغام إرثا إداريا ثقيلا وتراكمات في التدبير ومصالح متشابكة، ومشاكل تحتاج إلى جرأة وصرامة وتشخيص عميق. أما اليوم فنحن أمام ألغام من نوع آخر، ألغام في الإسفلت “الزفت” وفي الأرصفة وفي شبكات الماء وتحت الأرض، لا تظهر إلا عندما تنفجر قناة أو تنهار بالوعة أو يتشقق مقطع طرقي.

والسؤال هنا لم يعد من المسؤول عن هذه الحفرة أو تلك البالوعة..؟ بل أصبح لماذا لم نستطع إلى اليوم أن نضع حدا نهائيا لهذا النمط المتكرر من الأعطاب..؟

فالسمارة وخصوصا أحياءها القديمة، تعاني منذ سنوات من تسربات مائية متواترة وهذه التسربات لا تنتهي عند حدود ضياع الماء، بل تترك آثارها مباشرة على الطرق والأرصفة. فالماء يتسرب تحت الإسفلت، يضعف التربة، يفتت الطبقات، ثم تظهر الحفرة، فتفتح الطريق من جديد، ويجري الإصلاح والترميم، وبعد مدة تعود الحكاية من حيث بدأت.

وهكذا يصبح الترميم نفسه جزءا من المشكلة حين يغيب الحل الجذري.

المدينة لا تحتاج إلى من يطارد الأعطاب واحدا واحدا، بل إلى من يفكك شبكة الألغام كاملة. نحتاج إلى خريطة دقيقة للنقاط السوداء، وجرد شامل للشبكات القديمة، وتشخيص للمقاطع التي تتكرر فيها التسربات، وبرنامج واضح لمعالجة الأحياء التي تستنزفها التدخلات المتكررة.

كما نحتاج إلى بروتوكول صارم وملزم لكل جهة تتدخل في الطريق أو الرصيف، بحيث لا تغادر مكان الأشغال إلا بعد إعادة الوضع إلى حالته التقنية الأصلية، لا إلى “شبه حالته” فالطريق ليست ملكا مشاعا لكل متدخل يفتحها ثم يترك وراءه رقعة غريبة عن بقية المقطع.

وليس مقبولا أن تتحول بعض بالوعات المدينة إلى “ألغام” يتفاداها السائقون، ولا أن يستمر المواطن في دفع ثمن ضعف التنسيق بين القطاعات، مرة من سلامة مركبته، ومرة من جودة الطريق، ومرة من المال العام الذي يعاد صرفه على النقطة نفسها.

المشكل هنا لا يمكن تحميله لطرف واحد، لأن هذا النوع من الاختلالات تتقاطع فيه مسؤوليات أكثر من جهة.. الجماعة، والمصالح التقنية، وشركات الماء والتطهير، والمقاولات، والجهات المشرفة على الأشغال. لكن تعدد المتدخلين لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتعدد الأعذار، لأن المسؤولية حين تتوزع يجب أن يقابلها تنسيق أكبر، لا أن تضيع بين المكاتب.

والأخطر من الخلل نفسه هو اعتياده. حين يمر المواطن على حفرة ويقول “سيصلحونها” ثم يعود بعد أسابيع أو أشهر ليجدها عادت من جديد، يصبح العطب جزءا من المشهد اليومي. وحين نعتاد الخلل يصبح الإصلاح المؤقت هو القاعدة ويضيع مطلب الحل الحقيقي.

نحن في “صوت السمارة” لا ننكر ما تحقق من أوراش تأهيل، ولا نتجاهل ما عرفته المدينة من تدخلات في الإنارة والطرق والأرصفة والفضاءات العامة، لكن كما قلنا سنة 2021، الحماس لا يكفي، والنوايا الحسنة لا تفكك الألغام وحدها، والمدينة لا تحتاج إلى واجهات جميلة فوق بنية تحتية مريضة.

فما جدوى رصيف جديد إذا كان سيفتح بعد أشهر لإصلاح قناة قديمة..؟ وما جدوى تعبيد طريق إذا كانت الشبكات الموجودة تحتها لم تعالج بعد..؟ وما جدوى الترميم إذا كان العطب نفسه سيعود في المكان نفسه..؟

لقد آن الأوان للانتقال من سياسة ملاحقة الحفر إلى سياسة منع ظهورها، ومن ترقيع التسربات إلى تجديد المقاطع المهترئة، ومن التدخل بعد وقوع العطب إلى التشخيص قبل وقوعه، ومن ترميم البالوعات إلى إصلاح المنظومة التي تجعلها تنهار أصلا.

سنة 2021 كتبنا عن “ألغام الطريق” وفي 2026 ما تزال بعض الألغام في مكانها، بل إن بعضها أصبح مرئيا تحت عجلاتنا. ولهذا فإننا ننتظر من جميع الجهات ذات الصلة التعامل مع هذا الملف باعتباره ورشا بنيويا لا حملة ظرفية، ووضع برنامج واضح لمعالجة النقاط المتضررة ومراقبة صارمة لكل أشغال الحفر والترميم.

فالسمارة لا تستحق أن تبقى طرقها دفاتر مسودات، ولا أن تظل أرصفتها حقول تجارب، ولا أن تبقى بالوعاتها ألغاما مؤجلة الانفجار.

المدينة تحتاج إلى حل ينهي المسلسل لا إلى حلقة جديدة منه.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.