
في الوقت الذي تتعالى فيه الخطابات الرسمية حول أهمية العناية بالطفل والناشئة، وترفع الشعارات حول دعم العمل الجمعوي وتعزيز أدواره التربوية، جاء افتتاح أشغال الندوة الافتتاحية للنسخة التاسعة من الليالي الرمضانية التي تنظمها جمعية أمل العودة للتربية والتنمية ليكشف مفارقة مؤلمة..! غياب لافت للسلطة المحلية والمنتخبين والشيوخ وأعيان القبائل الصحراوية عن محطة تربوية وثقافية بامتياز.
الندوة التي احتضنها المركز الثقافي الشيخ سيدي أحمد الركيبي بمدينة السمارة، رفعت لها هذه السنة راية شعار عميق الدلالة ضمن الليالي الرمضانية : “رهانات تربوية وإكراهات واقعية” واختير لها عنوان يمس جوهر المجتمع الصحراوي “التنشئة الدينية للطفل في المجتمع الصحراوي” وهي عناوين لا تحتاج إلى كثير شرح لتبيان أهميتها في زمن تتزاحم فيه التحديات القيمية والتربوية.

أمل العودة جمعية جعلت من الطفل محور اشتغالها ورفعت شعارا راسخا “الطفل أولا والبقية تأتي” لا تتحرك بدافع موسمي أو مناسباتي، فهي تبني مشروعا مجتمعيا هادفا، قوامه التنشئة السليمة وصون الهوية، وربط الأجيال بمرجعيتها الدينية والثقافية. فحين يناقش أكاديميون وباحثون قضايا التنشئة من خلال الأمثلة الحسانية والحكاية الشعبية، و”لغن الحساني” فإن الأمر يتجاوز ندوة عابرة إلى ورش فكري يعيد الاعتبار لأدوات التربية الأصيلة في المجتمع الصحراوي.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح..! كيف يعقل أن تغيب الجهات المفترض فيها احتضان مثل هذه المبادرات..؟ أين السلطة المحلية التي تتحدث عن دعم المجتمع المدني..؟ أين المنتخبون الذين يستمدون شرعيتهم من الساكنة..؟ وأين الشيوخ والأعيان الذين طالما اعتبروا حماة القيم والتقاليد..؟
إن غياب هؤلاء عن لقاء تربوي يضع الطفل في صلب اهتمامه لا يمكن اعتباره مجرد سهو بروتوكولي، بل مؤشر يبعث على القلق. فإما أن قضايا الناشئة لم تعد ضمن الأولويات، أو أن العمل الجمعوي الجاد لا يجد من يواكبه حين يخرج عن منطق الاستعراض والمجاملة.

الطفل اليوم في حاجة إلى التفاف جماعي حقيقي، لا إلى شعارات عابرة. ومجتمع لا يحضر مسؤولوه حين يستدعى للنقاش حول تنشئة أجياله، مجتمع يطرح أكثر من علامة استفهام حول ترتيب أولوياته. فالتنمية ليست إسفلتا وإسمنتا فقط، بل قبل ذلك إنسان يربى على القيم ويحصن بالمعرفة ويغذى بالهوية.
ولعل الرسالة الأبلغ التي بعثتها هذه الليالي الرمضانية، رغم الغياب، أن العمل الصادق يمضي في طريقه، وأن من آمن بأن “الطفل أولا” سيظل يشتغل سواء حضر المسؤولون أم غابوا..!!



























