البشر قبل الحجر.. أم أن الإنسان لا يعيش بلا حجر..؟ حين تتحول الشعارات إلى وسيلة لتصفية حسابات التدبير..!!

15 سبتمبر 2026
البشر قبل الحجر.. أم أن الإنسان لا يعيش بلا حجر..؟ حين تتحول الشعارات إلى وسيلة لتصفية حسابات التدبير..!!

تبدو عبارة “البشر قبل الحجر” للوهلة الأولى جذابة، بل يصعب الاعتراض عليها أخلاقيا..!! فمن منا لا يريد أن يكون الإنسان في قلب السياسات العمومية..؟ ومن منا لا يرى أن التشغيل والكرامة والصحة والتعليم أولويات لا تقبل التأجيل..؟ لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه العبارة من مبدأ اجتماعي إلى شعار انتخابي يستعمل لوضع الإنسان في مواجهة مدينته، والبشر في مواجهة الحجر، وكأن بناء الطرق والساحات والإنارة والتجهيزات نقيض لخدمة المواطن لا إحدى وسائل خدمته.

 

فالمدن لا تنهض بالنوايا وحدها، ولا تتطور بالخطب. عندما تتوسع مدينة ما فإنها تحتاج إلى طرق وأرصفة وشبكات ماء وكهرباء وإنارة؛ وعندما تعبد أحياؤها فذلك حجر، وعندما تهيأ ساحاتها فذلك حجر، وعندما تقام مرافقها الإدارية والاجتماعية والرياضية فذلك حجر، وعندما تتحسن نظافتها ومداخلها وواجهاتها فذلك أيضا حجر. لكن السؤال الحقيقي هو.. لمن يبنى كل هذا الحجر..؟ أليس للبشر..؟

 

إن الاختيار بين البشر والحجر بهذا الشكل اختيار مصطنع. فالبنية التحتية ليست خصما للإنسان، بل قد تكون أحد أهم الشروط لتحسين حياته وفتح أبواب الاستثمار والتشغيل أمامه. الطريق التي تعبد لا تنتفع بها الحجارة، بل المواطن والتاجر والمستثمر وسيارة الإسعاف والتلميذ والعامل. والإنارة العمومية لا تضيء للمصابيح، وإنما للناس. والساحة لا تهيأ للإسمنت، وإنما لتصنع فضاء عاما للساكنة. لذلك فإن التدبير الجيد ليس “بشرا بدل الحجر” ولا “حجرا بدل البشر” وإنما حجرا يوضع في خدمة البشر.

 

لكن في المقابل لا يجوز أيضا استعمال مشاريع البنية التحتية ذريعة للتهرب من الأسئلة الاجتماعية الحقيقية. فالمدينة التي تتجمل شوارعها بينما يظل شبابها يبحثون عن فرصة للعيش الكريم تبقى أمام اختبار صعب. والتنمية التي لا تخلق حركة اقتصادية، ولا تفتح آفاقا أمام الشباب، ولا تساعد على الاستثمار والمبادرة، تظل منقوصة مهما كان حجم الإسمنت الذي صب فيها.

 

ومن هنا يصبح الحديث عن التشغيل مشروعا، لكن بشرط الصراحة. فإذا كان المقصود بـ”الاهتمام بالبشر” هو تقديم أجر عرضي أو فرصة مؤقتة لبضعة أشهر ثم تقديم ذلك باعتباره حلا لمعضلة البطالة، فنحن أمام معالجة ظرفية لا أمام سياسة تشغيل. العامل العرضي يحتاج إلى الأجر بلا شك، وقد يكون ذلك الأجر مهما جدا لأسرته، لكن لا ينبغي تحويل حل مؤقت إلى انتصار تنموي دائم، ولا تصويره وكأنه جواب نهائي على معضلة تحتاج إلى استثمار ومقاولات وتكوين وفرص شغل مستقرة.

 

وهنا يأتي السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى كل من يرفع شعار “البشر قبل الحجر” ماذا تقترحون للبشر تحديدا..؟ هل هناك مشروع واقعي لتشغيل شباب الإقليم..؟ هل توجد برامج لجلب الاستثمار وخلق المقاولات وتشجيع المبادرة..؟ هل توجد رؤية للتكوين وربط الشباب بسوق الشغل..؟ أم أن الجواب عندما نصل إلى التفاصيل سيكون “التشغيل ليس من اختصاص المجالس، والتوظيف تحكمه مباريات ومساطر وقوانين..!”

 

إذا كان التشغيل ليس من اختصاص المجالس، وهو أمر له بالفعل قواعد ومساطر واختصاصات موزعة بين مؤسسات عدة، فلماذا يرفع اليوم شعار يوحي للناس بأن المجلس يمكنه وحده حل البطالة بمجرد تغيير أولوياته..؟ وإذا كان أصحاب الخطاب يمتلكون اليوم تصورا واضحا لـ “البشر قبل الحجر” فمن المشروع أن يسأل المواطن “أين كان هذا التصور حين كانوا مسؤولين عن التدبير..؟”

 

هذه ليست محاسبة للأشخاص بقدر ما هي محاسبة للشعارات. فالأفكار السياسية تقاس بمدى انسجام أصحابها معها عندما يملكون القرار، لا عندما يغادرونه. ومن حق الرأي العام أن يسأل لماذا لم يكن هذا الشعار مركزيا في مراحل سابقة..؟ ولماذا لم تظهر آثاره على شريحة واسعة من الشباب الذين ظلوا سنوات يخرجون للاحتجاج، وينتظرون فرص الشغل، ويدخل بعضهم في توترات واحتكاكات مع السلطات وهم يطالبون بحلول لوضعيتهم..؟

 

فالحديث بعد مغادرة موقع التدبير أسهل دائما من الحديث أثناء تحمل مسؤوليته. خارج المسؤولية يمكن للجميع أن يقترحوا، لكن داخلها تصطدم الشعارات بالميزانية والاختصاص والقانون والمساطر والأولويات. ولهذا فإن مصداقية أي خطاب تبدأ من الإجابة عما تحقق عندما كانت أدوات القرار بين أيدي أصحابه.

 

ثم إن السمارة تحديدا لا تحتاج إلى هذا الصراع المفتعل بين الإنسان والمكان. فالمدينة تملك تاريخا وتراثا ومجالا صحراويا غني وخصوصية عمرانية يمكن، إذا أحسن تثمينها، أن تتحول من “حجر” إلى مصدر رزق للبشر. الاستثمار في التراث والسياحة والثقافة والفضاءات العامة والبنية التحتية ليس تبذيرا إذا كان جزءا من رؤية اقتصادية تخلق فرص الشغل وتحرك التجارة والخدمات وتجلب الزوار والاستثمار.

 

“حجر” السمارة وترابها يمكن أن يكونا جزءا من الحل لا جزءا من المشكلة. فالمدينة التي تحسن استثمار خصوصيتها التاريخية والعمرانية والمجالية تستطيع أن تحول ذلك إلى اقتصاد محلي، وإلى فرص للشباب وإلى دخل للأسر. وهنا يلتقي الحجر بالبشر ويتوقف الجدل العقيم.

 

ما تحتاجه السمارة إذن ليس شعارا جديدا يلقى في وجه شعار قديم، بل رؤية تقول بوضوح.. نبني المدينة ونبني الإنسان معا. نعبد الطرق ونخلق الاقتصاد الذي سيستفيد منها. نهيئ الساحات ونفتح المجال للمقاولات. نحسن الإنارة والنظافة ونشجع الاستثمار. ندعم التشغيل المؤقت عند الضرورة، لكن لا نخدع الشباب بتقديمه على أنه حل دائم.

 

أما تحويل كل مشروع عمراني إلى دليل على إهمال البشر، أو تحويل كل إعانة مؤقتة إلى دليل على الانتصار للإنسان، فكلاهما اختزال مخل لمعنى التنمية.

 

والأهم أن من يريد اليوم أن يفتح نقاشا حول الأولويات، فمن حقه ذلك، بل هو نقاش مطلوب، لكن عليه أولا أن يقدم إجابات واضحة.. ماذا فعل عندما كان يملك سلطة القرار..؟ وماذا كان يستطيع أن يفعل ولم يفعله..؟ وما الذي سيقدمه اليوم مختلفا عن الأمس..؟

 

فالسياسة ليست حنينا إلى مقاعد مضت، ولا بكاء على مراحل انتهت، ولا إعادة صياغة الماضي بشعارات جديدة. ومن كان يرى أن مسارا سابقا يحتاج إلى مراجعة، فالأجدر به أن يبدأ بمراجعة تجربته قبل أن يحاكم تجارب الآخرين.

 

قال الله تعالى “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ”.

 

ولعل هذه الآية تختصر ما تحتاجه السياسة المحلية أكثر من أي شعار. مراجعة الذات أولا، ثم مطالبة الآخرين بالتغيير.

 

فالسمارة لا تحتاج إلى “البشر ضد الحجر” بل إلى حجر يصنع التنمية، وتنمية تحفظ كرامة البشر.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.