في زمن تتعالى فيه الأسئلة حول جدوى الاستثمار الفلاحي بالمناطق الجافة، تبرز من قلب منطقة خطاري بـ”أمكالة” التابعة لنفوذ إقليم السمارة، تجربة ميدانية وازنة يقودها الأب الصالح ولد الكوري، لتكسر الصور النمطية وتعيد طرح إمكانات الأرض بلغة الواقع والنتائج.
تجربة ولد الكوري هي نموذج حي لإرادة الإنسان حين تتقاطع مع الإيمان بقدرات الأرض. في فضاء طالما وصف بالقاحل استطاع هذا الفاعل المحلي أن يحول التحدي إلى فرصة، حيث أضحت التربة التي قيل إنها لا تنبت، حاضنة لأشجار مثمرة وبذور نمت في ظروف مناخية صعبة، لتؤكد أن الرهان الحقيقي ليس في طبيعة المجال بقدر ما هو في كيفية تدبيره واستثماره.
لقد واجهت هذه التجربة منذ انطلاقتها موجة من التشكيك، تعكس ثقافة سائدة تختزل الصحراء في كونها فضاء غير منتج فلاحيا. غير أن ما تحقق على أرض الواقع بمنطقة خطاري يثبت العكس، إذ أبانت التجربة أن استصلاح الأرض ممكن، وأن الفلاحة ليست حكرا على المناطق الخصبة، بل يمكن أن تزدهر متى توفرت الإرادة والوسائل الأساسية.
وتتجاوز أهمية هذه المبادرة بعدها الفردي، لتطرح نفسها كمدخل عملي لمعالجة عدد من الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية، وفي مقدمتها بطالة الشباب. فالأراضي المتوفرة بالمنطقة والتي لم تستثمر بعد بالشكل الكافي، يمكن أن تتحول إلى رافعة تنموية حقيقية، قادرة على خلق فرص شغل، وتعزيز الأمن الغذائي المحلي وتوفير موارد للكسابة والمواطنين على حد سواء.
غير أن استمرارية هذا النموذج وتوسيع أثره يظل رهينا بتوفير شروط الدعم والمواكبة، خاصة في ما يتعلق بالولوج إلى الموارد المائية، وتوفير المعدات الفلاحية، والبذور الملائمة للوسط البيئي. وهي عناصر كفيلة بنقل التجربة من مستوى المبادرة الفردية إلى مشروع تنموي قابل للتعميم، ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تحقيق تنمية مجالية متوازنة.
إن ما يقدمه الأب الصالح ولد الكوري اليوم هو رسالة واضحة مفادها أن الصحراء ليست عائقا، وأنها فرصة كامنة في انتظار من يؤمن بها. وهي دعوة صريحة إلى إعادة النظر في أولويات الاستثمار، وإلى تعبئة الجهود لدعم المبادرات المحلية، التي أثبتت قدرتها على إحياء الأرض وبعث الأمل في نفوس الشباب.
في خطاري الأرض بدأت تتكلم بلغة الإنتاج… لغة تؤكد أن التنمية ممكنة، وأن المستقبل يمكن أن يزرع من جديد، إذا ما توفرت العزيمة وتكاملت الرؤى.
أطال الله عمر الأب الجليل الصالح الكوري وبارك في جهوده، وأعانه على إحياء الأرض بعد مواتها، وجعل ما يقدمه في ميزان حسناته ونفع به البلاد والعباد.









