لم تعد مدينة السمارة اليوم تلك الرقعة العمرانية المحدودة التي كانت تتقارب فيها الأحياء والمسافات، فقد شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعا عمرانيا ملحوظا خاصة مع ظهور أقطاب سكنية جديدة بمنطقتي الربيب والگويز، وما رافق ذلك من امتداد للمجال الحضري وارتفاع في الحاجة إلى خدمات النقل والتنقل اليومي.
غير أن هذا التحول العمراني بما يحمله من مؤشرات إيجابية على مستوى التنمية الحضرية، يطرح في المقابل تساؤلات مشروعة حول مدى مواكبة قطاع النقل بواسطة سيارات الأجرة من الصنف الثاني لهذا التوسع، ومدى قدرته على الاستجابة لحاجيات الساكنة خاصة في الأحياء البعيدة عن مركز المدينة.
فالسمارة تتوفر حاليا على 36 سيارة أجرة فقط من الصنف الثاني، وهو عدد يثير التساؤل بشأن كفايته لتغطية مختلف الأحياء والتجمعات السكنية، خصوصا أن بعض هذه السيارات متوقف عن العمل، إما بسبب أعطال ميكانيكية، أو لوجود إكراهات مرتبطة باستكمال الوثائق والإجراءات الإدارية.
ولفهم حجم الإشكال تكفي العودة إلى النتائج الرسمية للإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، التي كشفت أن عدد سكان جماعة السمارة بلغ 56.607 نسمة، موزعين على 13.730 أسرة، وهو ما يعني، بحساب بسيط، وجود سيارة أجرة واحدة لكل 1.572 نسمة تقريبا، دون احتساب السيارات المتوقفة عن العمل.
والحال أن هذا الرقم رغم أهميته لا يعكس بمفرده حجم الإكراهات اليومية، لأن الإشكال لا يرتبط فقط بعدد السكان والسيارات، بل كذلك بتوزيعها على الأحياء والمسافات التي تقطعها وعدد الرحلات الممكن إنجازها، وطبيعة الطلب على النقل خلال مختلف فترات اليوم.
ويكفي أن يقف مواطن بحي الوحدة “لازاب” منتظرا سيارة أجرة قد يتأخر مرورها، حتى يلوح له أحدها من بعيد، فيتفاءل بقرب انتهاء الانتظار قبل أن يكتشف أن وجهة الراكب الموجود داخلها تختلف عن وجهته، ليجد نفسه مضطرا إلى انتظار سيارة أخرى قد تتكرر معها الحكاية نفسها.
وما يعيشه المواطن بحي الوحدة ليس حالة معزولة، بل يتكرر بأحياء السلام وتجزئة الگويز “السكن” والربيب، وغيرها من الأحياء التي أصبحت تشكل جزءا من الامتداد العمراني للمدينة، حيث يتحول الحصول على سيارة أجرة في بعض الأوقات إلى رحلة انتظار قبل بداية الرحلة الفعلية.
ولعل العبارة التي يسمعها بعض المواطنين، خاصة الراغبين في التوجه نحو الربيب، والمتمثلة في أن “وجهة الطاكسي ماشي لهيه” تختزل جانبا من الإشكال الذي أصبح يواجه مستعملي هذا المرفق. وهي وضعية تستدعي البحث في كيفية تنظيم الرحلات والتوفيق بين وجهات الركاب بدل الاكتفاء باعتبارها مجرد خلاف عابر بين السائق والزبون.
وفي المقابل لا يمكن مناقشة هذا الموضوع بمعزل عن الظروف المهنية والاجتماعية لسائقي سيارات الأجرة، فالسائق بدوره مطالب بتوفير دخل يومي يعيل به أسرته، ويواجه مصاريف الوقود والصيانة والتأمين وغيرها من الالتزامات المرتبطة بممارسة المهنة. وبالتالي فإن أي تصور لإصلاح القطاع ينبغي أن يحفظ التوازن بين حق المواطن في خدمة نقل منتظمة وحق المهني في ظروف اشتغال تضمن له الاستقرار والدخل المناسب.
ومن المفارقات التي تستحق الوقوف عندها كذلك، أن عدد الأشخاص الحاصلين على رخصة الثقة، وفق المعطيات المتداولة لدى المهنيين يفوق بأضعاف عدد سيارات الأجرة المتوفرة بالمدينة، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن العلاقة بين عدد المؤهلين لممارسة المهنة وحجم الأسطول المرخص له بالاشتغال، ومدى إمكانية الاستفادة من هذه الموارد البشرية في تطوير خدمات النقل الحضري.
وهنا لا بد من التمييز بين توفر رخصة الثقة وبين توفر سيارة أجرة ورخصة استغلالها، باعتبارهما مسألتين مختلفتين من الناحية التنظيمية، غير أن هذا الواقع يظل مؤشرا يستحق الدراسة ضمن تشخيص شامل للقطاع.
إن مدينة السمارة وهي تواصل مسار توسعها العمراني وتأهيل بنياتها التحتية، أصبحت في حاجة إلى مقاربة جديدة لقطاع النقل الحضري، تنطلق من تقييم واقعي لحاجيات الساكنة، وتحديد الأحياء التي تعرف أكبر ضغط على سيارات الأجرة، ورصد أوقات الذروة، وحصر العدد الفعلي للسيارات المشتغلة والمتوقفة وأسباب توقفها.
وقد يكون من المناسب فتح نقاش مسؤول بين السلطات الإقليمية والمصالح المختصة وممثلي مهنيي سيارات الأجرة وجماعة السمارة، من أجل دراسة إمكانية تعزيز الأسطول، وتسوية الوضعيات الإدارية القابلة للمعالجة، وإيجاد صيغ تنظيمية أكثر ملاءمة لتغطية الأحياء البعيدة مع مراعاة الجدوى الاقتصادية لأي إجراء جديد.
كما أن التفكير في تنظيم أفضل لتوزيع السيارات وتسهيل وصولها إلى الأقطاب السكنية الجديدة، خصوصا الربيب والگويز، من شأنه أن يساهم في تخفيف فترات الانتظار وتحسين جودة الخدمة، دون الإضرار بمصالح السائقين أو خلق اختلالات جديدة داخل القطاع.
وليس المطلوب بالضرورة إضافة سيارات جديدة دون دراسة، بقدر ما هو مطلوب تشخيص دقيق يحدد عدد السيارات التي تحتاجها المدينة فعليا، وطبيعة الخصاص المسجل والحلول الممكنة لتوفير خدمة أكثر انتظاما وعدالة بين مختلف الأحياء.
فالساكنة لا تطالب بأكثر من وسيلة نقل متاحة في وقت معقول، والسائق لا يطالب بأكثر من ظروف عمل تحفظ كرامته وتضمن له موردا يعيل به أسرته.
وبين هذين المطلبين المشروعين تبقى مسؤولية إيجاد الحلول قائمة، خاصة أن التوسع العمراني الذي تعرفه السمارة ينبغي أن تواكبه خدمات عمومية تستجيب لحاجيات المدينة الجديدة، لا أن تظل محكومة بإمكانات مدينة كانت بالأمس أصغر مساحة وأقصر مسافة.
ويبقى السؤال المطروح هل حان الوقت لإعادة تقييم حاجيات السمارة من سيارات الأجرة من الصنف الثاني، ووضع تصور عملي يجعل النقل الحضري مواكبا للتحولات العمرانية التي تعرفها المدينة..؟




