عفو ملكي سامٍ بأبعاد إنسانية وإصلاحية… محطة فاصلة في مسار العدالة المغربية
في خطوة تاريخية وغير مسبوقة، حمل العفو الملكي السامي الصادر بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لعيد العرش المجيد أبعادا إنسانية وإصلاحية عميقة، بعد أن شمل أزيد من تسعة عشر ألفا من نزلاء المؤسسات السجنية بالمملكة، في بادرة استثنائية فريدة تجسد سمو الرأفة الملكية وعمق الالتزام الملكي الراسخ بإصلاح منظومة العدالة وتكريس البعد الإنساني داخل الفضاء السجني.
وقد تميز هذا العفو الملكي بطابعه الواسع والاستثنائي، حيث استفاد منه أكثر من سبعة عشر ألفا من المحكومين، تم اختيارهم وفق معايير دقيقة تراعي الوضعية الاجتماعية والإنسانية، والجهود المبذولة في مسار إعادة التأهيل، في أفق فتح صفحة جديدة أمامهم للاندماج الإيجابي في المجتمع.
وتأتي هذه المبادرة الملكية النبيلة لتواكب التحول الجوهري الذي تشهده السياسة الجنائية بالمغرب، خاصة مع قرب دخول القانون المتعلق بالعقوبات البديلة حيز التنفيذ، والذي سيمكن من تخفيف الضغط عن المؤسسات السجنية وتجاوز ظاهرة الاكتظاظ المتفاقم الذي بلغ مستويات قياسية في السنوات الأخيرة، عبر تبني بدائل حديثة للعقوبات السالبة للحرية تراعي التناسب بين الجريمة والعقوبة وتوفر فرصا أوفر للإدماج الاجتماعي.
ويعد هذا القرار الملكي تجسيدا عمليا لفلسفة العقاب الحديثة التي توازن بين الزجر والردع من جهة، وإعادة الإدماج والتأهيل من جهة أخرى، بما يعزز الأمن المجتمعي ويرسخ مبادئ العدالة والكرامة. فالعقوبة لم تعد تنحصر في الحبس فقط، بل باتت ترتكز على مقاربات أكثر مرونة وفعالية، تراعي الحالات الاجتماعية وتفسح المجال أمام الإصلاح الذاتي في كنف دولة القانون والمؤسسات.
وتندرج هذه الخطوة ضمن رؤية ملكية سامية لإعادة الاعتبار للمفاهيم الحقيقية للإدماج، واستباق المخاطر الاجتماعية التي قد تنجم عن التهميش أو الإقصاء، من خلال معالجة الأسباب البنيوية المؤدية للجريمة، وفي مقدمتها الفقر، والهشاشة الاجتماعية، والبطالة، وغياب آليات الدعم والمواكبة.
إنها دعوة صريحة لكل الفاعلين في الحقل القضائي والتشريعي والأمني إلى الانخراط الواعي والمسؤول في هذا الورش الكبير، وتفعيل كل الإمكانات التشريعية واللوجيستيكية لإنجاح مسار الإصلاح الجنائي، بما يضمن مجتمعا متماسكا، وآمنا، ومتوازنا، يراهن على الإنسان كركيزة للتنمية.
ويبقى هذا العفو بما يحمله من رمزية وتوجه مستقبلي، محطة فاصلة في تاريخ العدالة المغربية، حيث يضع حقوق الإنسان في صميم الاهتمام ويجسد العناية الملكية الفائقة التي يوليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله لكل أبناء شعبه، خاصة أولئك الذين قادتهم الظروف إلى الانزلاق، دون أن تسلبهم فرصة العودة والاندماج من جديد في نسيج المجتمع.