تعيد خرجة إحدى نساء مدينة السمارة، إلى واجهة النقاش العمومي سؤال العدالة الاجتماعية وحدود التزام الدولة بضمان الحقوق الأساسية للفئات الهشة، في سياق اجتماعي وسياسي بالغ الحساسية. فالأمر لا يتعلق بحالة فردية معزولة، بقدر ما يعكس وضعية اجتماعية مركبة تعاني منها نساء وجدن أنفسهن خارج دوائر الحماية الفعلية، رغم ما يرفعه الدستور من مبادئ الكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية.
الخرجة التي اتخذت طابعا عفويا أمام عمالة السمارة هي صرخة اضطرار، خرجت من امرأة ضاقت بها سبل العيش، لتتكلم بلسان نساء كثيرات فضلن الصمت حياء واستعفافا، وتجنبا للوصم الاجتماعي الذي لا يزال يطال المرأة حين تجاهر بمطالبها. هنا يتحول الصوت الفردي إلى تمثيل رمزي لمعاناة جماعية صامتة، لنساء أنهكتهن هشاشة الدخل، وثقل الالتزامات اليومية، وغياب بدائل حقيقية تحفظ لهن الحد الأدنى من العيش الكريم.
من زاوية قانونية تطرح هذه الواقعة إشكالية فجوة التطبيق بين النصوص والواقع. فالدولة بموجب التزاماتها الدستورية والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها، ملزمة بضمان الحق في السكن والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والعيش الكريم، خاصة للفئات الهشة. غير أن واقع “نصف كارطية” التي تتقاضاها بعض النساء، والتي لا ترقى إلى الحد الأدنى للأجور ولا توفر شروط الاستقرار الاجتماعي، يكشف عن اختلال بنيوي في سياسات الإدماج الاجتماعي، وعن مقاربة جزئية لا تستجيب لحاجيات هذه الفئة ولا تراعي كلفة المعيشة المتزايدة.
اجتماعيا تعكس هذه الصرخة هشاشة وضعية نساء كثيرات، بعضهن طريحات الفراش أو مثقلات بأمراض مزمنة، دون سند اجتماعي أو أسري قادر على امتصاص الصدمات. وهو ما يجعل من الدعم الجزئي أو الظرفي حلا غير كاف، بل ومصدرا لإعادة إنتاج الهشاشة بدل معالجتها. فالدعم الذي لا يواكبه تمكين اقتصادي، ولا يستكمل بإدماج فعلي في منظومة الحماية الاجتماعية والسكن اللائق، يظل إجراء محدود الأثر وغير قادر على كسر دائرة الفقر.
سياسيا يكتسي هذا الملف بعدا أكثر حساسية في الأقاليم الجنوبية، حيث ترتبط التنمية الاجتماعية بشكل وثيق بالخيارات الاستراتيجية للدولة، وعلى رأسها مشروع الحكم الذاتي كحل نهائي لملف الصحراء المغربية. إن تعزيز مصداقية هذا المشروع لا يمر فقط عبر المقاربات الدبلوماسية والمؤسساتية، بل يقتضي بالضرورة تسوية الأوضاع الاجتماعية الداخلية، ومعالجة الملفات العالقة، خاصة تلك المرتبطة بالتشغيل والسكن والكرامة الاجتماعية. فالمواطن رجلا كان أو امرأة، لا يقيس جدوى المشاريع الكبرى إلا بمدى انعكاسها على واقعه اليومي.
وعليه فإن صرخة “حرائر زمور” ينبغي أن تقرأ كإنذار اجتماعي يستدعي مراجعة شاملة لسياسات الدعم والحماية الاجتماعية، والانتقال من منطق الإعانة إلى منطق الحقوق. كما تفرض على الفاعلين المحليين والجهويين فتح قنوات تواصل جادة مع هذه الفئة، وتشخيص أوضاعها بشكل دقيق، ووضع حلول مستدامة تضمن السكن اللائق، والدخل الكافي والاندماج الاجتماعي، بعيدا عن المقاربات الظرفية أو التسكينية.
إن كرامة المرأة تعد مؤشرا حقيقيا على مستوى العدالة الاجتماعية داخل أي مجتمع خاصة “المجتمع الصحراوي”. وحين تضطر النساء إلى كسر جدار الصمت ورفع أصواتهن، فإن ذلك يعني أن الخلل بلغ مستوى لا يحتمل التأجيل، وأن الاستجابة لم تعد خيارا، بل مسؤولية سياسية وقانونية وأخلاقية.













