ندرة حليب الإبل بالسمارة..! اختلالات بنيوية وارتفاع الأسعار في ظل استقرار الكسابة بالجنوب

إدارة النشر17 ديسمبر 2025آخر تحديث :
ندرة حليب الإبل بالسمارة..! اختلالات بنيوية وارتفاع الأسعار في ظل استقرار الكسابة بالجنوب


تعرف مدينة السمارة منذ سنوات اختلالا بنيويا متواصلا في منظومة إنتاج وتوزيع حليب الإبل، وهي وضعية أضحت نتيجة تراكمات اقتصادية ومجالية وهيكلية انعكست بشكل مباشر على العرض المحلي لهذه المادة الحيوية، وعلى أسعارها كما امتد أثرها ليشمل قطاع لحوم الإبل الذي لا يقل أهمية من حيث القيمة الغذائية والرمزية داخل المجتمع الصحراوي.

وتفيد المعطيات المتوفرة بأن أغلب كسابة إقليم السمارة اختاروا منذ سنوات الاستقرار بقطعانهم في المناطق الجنوبية، خاصة تيرس وأوسرد وبئر أنزران، باعتبارها أكثر ملاءمة من حيث توفر الكلأ الطبيعي، وانخفاض كلفة التغذية مقارنة بالمناطق القريبة من المجال الحضري. هذا التحول الجغرافي وإن كان منطقيا من زاوية الاستدامة الرعوية فقد أدى في المقابل إلى تراجع حاد في كميات الحليب الموجهة للسوق المحلية بمدينة السمارة مما خلق فجوة واضحة بين العرض والطلب.

وعلى مستوى الأسعار كان سعر لتر حليب الإبل في فترات سابقة مستقرا في حدود 10 دراهم، وهو ثمن ظل لسنوات مقبولا ومتاحا لشريحة واسعة من الساكنة. غير أن هذا السعر عرف خلال السنوات الأخيرة، منحى تصاعديا حيث بلغ 13 درهما، ليستقر حاليا عند حوالي 14 درهما للتر الواحد عند بعض المحلبات، مع مؤشرات قوية على إمكانية ارتفاعه مستقبلا، في ظل استمرار الطلب مقابل محدودية العرض وغياب آليات ضبط السوق.

ويعزو المهنيون هذا الارتفاع إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها ارتفاع تكاليف النقل إلى المدينة، وصعوبة ضمان التزويد اليومي المنتظم للمحلبات، فضلا عن الإكراهات المرتبطة بتربية الإبل نفسها، كتوالي سنوات الجفاف وانتشار بعض الأمراض وسط القطعان، وارتفاع أسعار الأعلاف المركبة، وهو ما دفع عددا من الكسابة إلى تقليص الإنتاج أو التخلي عن النشاط كليا.

ولا يقتصر أثر هذه الاختلالات على مادة الحليب فقط بل يمتد بشكل مباشر إلى قطاع لحوم الإبل الذي يعد بدوره عنصرا أساسيا في النظام الغذائي المحلي، لما يتميز به من جودة وقيمة غذائية عالية، وانخفاض نسبة الدهون مقارنة بأنواع اللحوم الأخرى. فالإبل، باعتبارها ثروة حيوانية مزدوجة الإنتاج (حليب ولحم)، تتأثر أسعارها بشكل مباشر بأي اضطراب في سلسلة التربية والتسويق.

وفي هذا السياق يشير فاعلون محليون إلى أن الإبل نفسها أصبحت تباع بأثمان مرتفعة وغير مسبوقة، سواء لأغراض النحر أو التربية، نتيجة تراجع أعداد القطعان، وارتفاع كلفة تربيتها وزيادة الطلب عليها، سواء داخل الإقليم أو خارجه. وقد انعكس هذا الوضع على أسعار لحوم الإبل، التي لم تعد في متناول فئات واسعة من المستهلكين، بعدما كانت تعتبر خيارا غذائيا ميسرا مقارنة بباقي اللحوم الحمراء.

ويبرز هذا الترابط بين الحليب واللحم هشاشة المنظومة الإنتاجية لتربية الإبل، حيث إن أي خلل يصيب أحد المكونات ينعكس بشكل تلقائي على باقي السلسلة، سواء على مستوى الإنتاج أو التسويق أو الأسعار. كما يكشف عن محدودية السياسات العمومية الموجهة لهذا القطاع، والتي ظلت في نظر المهنيين، دون مستوى التحديات المطروحة، خاصة في ما يتعلق بالدعم والمواكبة التقنية وتثمين المنتجات وتنظيم السوق.

وتكتسي منتجات الإبل وفي مقدمتها الحليب واللحم، أهمية خاصة داخل المجتمع الصحراوي، ليس فقط من الناحية الاقتصادية بل كذلك من حيث البعد الصحي والثقافي، إذ تعد جزءا من الموروث الغذائي المحلي، وترتبط بأنماط العيش التقليدية للساكنة. فحليب الإبل، إلى جانب منتوج “لفريك”، يعرف بقيمته الغذائية العالية وخصائصه الصحية المتعددة، فيما يعتبر لحم الإبل مصدرا بروتينيا ذا جودة عالية ومناسبا للأنظمة الغذائية الصحية.

وأمام هذا الواقع تبرز الحاجة إلى مقاربة شمولية لإعادة الاعتبار لقطاع تربية الإبل بإقليم السمارة تقوم على تشجيع الاستثمار المحلي، وتحفيز الكسابة على التوازن بين الاستقرار بالمناطق الرعوية الجنوبية وتزويد السوق المحلي، إلى جانب دعم سلاسل التجميع والنقل والتسويق، وإرساء آليات لتنظيم الأسعار بما يضمن حماية المنتج والمستهلك في آن واحد.

كما يظل تعزيز دور المؤسسات الوصية، خاصة وزارة الفلاحة، أمرا حاسما في بلورة سياسات ناجعة تراعي خصوصية المجال الصحراوي، وتضمن استدامة هذه الثروة الحيوانية وتفادي مزيد من الاختلالات التي قد تفضي مستقبلا إلى فقدان مورد اقتصادي وغذائي يشكل أحد أعمدة الهوية المحلية للمنطقة.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة