
يعد الكمأ، أو ما يصطلح عليه محليا بالترفاس، من أبرز خيرات الصحراء التي ارتبط ظهورها بالمطر والخصب، واكتسب مكانة خاصة في الثقافة الشعبية لما له من قيمة غذائية وبيئية واقتصادية. ويظهر الكمأ في علاقة وثيقة مع نبتة صحراوية معروفة لدى أهل البادية باسم اليركيك، وهي نبتة تعد المؤشر الطبيعي والدليل الأبرز على وجود الترفاس تحت سطح الأرض.
نبتة اليركيك، التي تعرف أيضا بأسماء متعددة مثل الرقروق والأرقة والقصيص وعشبة الكمأة، اسمها العلمي Helianthemum وتنتمي إلى العائلة القريضية. وهي نبتة معمرة من الشجيرات الصغيرة، تصنف محليا ضمن ما يعرف بـ“الصمة” أو “العرك”، حيث تذبل خلال فترات الجفاف ثم تعاود النمو من جديد بعد التساقطات المطرية. تنتشر هذه النبتة في مناطق واسعة من العالم، خاصة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط والجزيرة العربية ودول حوض البحر الأبيض المتوسط.
تتميز نبتة اليركيك بأوراق صغيرة مستطيلة وفروع قائمة، ولها أزهار بيضاء أو صفراء ذات رائحة عطرية خفيفة. وتكمن أهميتها في كونها مرتبطة ارتباطا مباشرا بفطر الكمأ، إذ تجمع بينهما علاقة تبادل منفعة، حيث ينمو الترفاس تحت الأرض بالقرب من جذور اليركيك. ولهذا السبب يعتمد الباحثون وجامعو الكمأ على هذه النبتة باعتبارها “واشية” للترفاس، فأينما وجد اليركيك وجد الكمأ قريبا منه، خاصة في الهضاب والسهوب وحواف الأودية الصغيرة، وبالأخص في مناطق لوج وعكد الطلح ولركوك.

يجنى الكمأ تقليديا بعد مواسم مطرية جيدة، ويستخرج من باطن الأرض بعناية كبيرة لتفادي إتلاف التربة أو الإضرار بجذور نبتة اليركيك، حفاظا على استمرارية هذا المورد الطبيعي. ويشكل موسم الترفاس موردا اقتصاديا مهما للساكنة المحلية، إضافة إلى كونه جزءا من التراث البيئي الصحراوي.
أما بذور نبتة اليركيك فهي صغيرة جدا وذات لون بني، ويمكن استزراعها في مختلف أنواع التربة. ونظرا لخفة وزنها، ينصح بخلطها بالرمل لتسهيل نثرها. وقد أجريت تجارب ناجحة في زراعتها داخل أحواض صغيرة، ثم جمع بذورها وإعادة زرعها من جديد، في أفق تشجيع استنبات هذه النبتة وانتظار ظهور الترفاس مستقبلا.
تلعب نبتة اليركيك دورا مهما في المجال الرعوي، إذ تعد مرتعا أساسيا للمواشي، خاصة الإبل والماعز والأغنام، كما تعرف بكونها نبتة مدرة لحليب المواشي. وإلى جانب ذلك، تحتوي هذه النبتة على عناصر غذائية مهمة، من بينها البروتينات والمواد النشوية ومعادن مثل الفوسفور والكالسيوم والبوتاسيوم، إضافة إلى فيتامينات أ وب ومجموعة من الأحماض الأمينية. وفي بعض البلدان العربية تستعمل في الطب البديل، حيث يستخرج منها مركب يستخدم كمسكن للآلام.
إن الكمأ ونبتة اليركيك يشكلان معا نموذجا حيا للتوازن البيئي في الصحراء، ويجسدان قيمة المعرفة المحلية المتوارثة التي ما زالت تشكل مرجعا أساسيا لفهم الطبيعة وحسن استغلال مواردها، بما يضمن الحفاظ عليها للأجيال القادمة.















عذراً التعليقات مغلقة