في عالم تتسارع فيه التحولات وتتشابك فيه الأزمات، لم يعد الحديث عن العدالة الاجتماعية ترفا فكريا أو شعارا سياسيا، بل أصبح ضرورة ملحة تفرضها التحديات الداخلية والضغوط الخارجية على حد سواء. من هذا المنظور، يندرج التأكيد الذي عبر عنه رئيس مجلس المستشارين محمد ولد الرشيد، بشأن توفر المملكة على رؤية وطنية متكاملة تستهدف استدراك العجز التنموي وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، باعتباره إعلانا عن مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من تشخيص الإشكالات إلى تسريع وتيرة الحلول.

هذه الرؤية كما أوضح لا يمكن أن تؤتي ثمارها إلا عبر مضاعفة الجهود، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتأهيل الحكامة، وتعميق الإصلاحات، مع الحرص على التقييم المستمر لآثار السياسات العمومية لضمان استدامة النتائج. فالتحدي اليوم لا يتعلق فقط بإطلاق البرامج، بل بمدى قدرتها على الصمود أمام المتغيرات، وعلى إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين.
ولد الرشيد نبه أيضا إلى أن معركة العدالة الاجتماعية لم تعد تخاض فقط داخل الحدود الوطنية، بل أصبحت رهينة بقدرة البلاد على التفاعل مع تحولات عالمية متسارعة واتجاهات هيكلية عميقة قد تعطل المكتسبات وتحد من فعالية الجهود المبذولة. فالعوامل التي تهدد هذا المسار تغيرت طبيعتها، وأصبحت أكثر تعقيدا وتشابكا، بدءا من الفجوات التكنولوجية والرقمية، مرورا بتدفقات الهجرة ومخاطر الحروب والصراعات الجيوسياسية، وصولا إلى تواتر الأزمات الاقتصادية والتغيرات المناخية.

وفي هذا السياق شدد على ضرورة تعزيز آليات اليقظة والاستباقية والمرونة الاستراتيجية، حتى تتمكن السياسات العمومية من حماية مكتسبات العدالة الاجتماعية وتوسيع نطاقها. وما شهدته بعض مناطق المملكة من فيضانات واضطرابات مناخية غير مسبوقة حسب تعبيره، يقدم دليلا ملموسا على أن التغير المناخي يعد تهديدا مباشرا لمناعة الفئات الاجتماعية وصمود المجالات الترابية.
اختيار شعار المنتدى البرلماني الدولي للعدالة الاجتماعية، “العدالة الاجتماعية في عالم متحول: الحاجة إلى سياسات منصفة لمجتمعات أكثر صمودا”، لم يأت اعتباطا، بل يعكس طبيعة المرحلة الراهنة التي تختبر قدرة الدول والمجتمعات على التكيف. وهنا يبرز ما وصفه ولد الرشيد بالرهان الثلاثي الأبعاد: اقتصاد قوي، مجتمع متماسك، وحكامة فعالة. فبناء الدولة الاجتماعية، في نظره، لا يمكن أن ينجح دون اقتصاد تنافسي ومنتج لفرص الشغل، كما أن الحفاظ على الاستقرار والتماسك يمر حتماً عبر تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، ولا يمكن ضمان استدامة المكتسبات دون حكامة جيدة.
كما أكد أن تحقيق العدالة الاجتماعية بفعالية لا يمكن تصوره خارج مقاربة تشاركية تقوم على تكامل أدوار مختلف الفاعلين المؤسساتيين والاجتماعيين، معتبرا أن العمل البرلماني يظل رافعة أساسية في هذا المسار. وفي هذا الإطار، يضطلع مجلس المستشارين، بحكم تركيبته الدستورية التي تمثل الجماعات الترابية والمنظمات المهنية والشركاء الاجتماعيين، بدور محوري في مواكبة أوراش العدالة الاجتماعية وتعزيز التقائية السياسات العمومية ذات البعد الاجتماعي.

ومن خلال اختصاصاته التشريعية والرقابية، وكذا دوره في تقييم السياسات العمومية، يشكل المجلس فضاء مؤسساتيا للحوار الاجتماعي والتداول العمومي، ويساهم في توطيد التنسيق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبين المستوى الوطني والمستويات الترابية، بما يضمن نجاعة التدخلات الاجتماعية وانسجامها مع حاجيات المواطنين وانتظاراتهم.
هكذا تتضح معالم مرحلة تعتبر فيها العدالة الاجتماعية محورا مركزيا لكل السياسات، لا ملفا قطاعيا معزولا. وبين طموح بناء اقتصاد منتج، ومجتمع متماسك، ومؤسسات ناجعة، يظل التحدي الحقيقي هو تحويل الرؤية إلى أثر، والشعارات إلى واقع يومي يلمسه المواطن في فرص الشغل، وجودة الخدمات، وكرامة العيش.













