في سياق دولي يتسم بتزايد حدة الظواهر المناخية القصوى، يبرز سؤال الجاهزية وقدرة الدول على تدبير الكوارث الطبيعية بكفاءة وفعالية. وفي هذا الإطار يقدم الأستاذ إدريس شحتان قراءة تحليلية لتجربة المغرب في مواجهة موجة الفيضانات الأخيرة، معتبرا أن ما جرى شكل اختبارا حقيقيا لمنظومة الحكامة الترابية، وأبان عن تحول نوعي في أسلوب التعاطي مع الأزمات.
يرى الكاتب أن المقاربة التي اعتمدتها الدولة لم تكن ارتجالية، بل ثمرة مسار طويل من بناء منظومة للرصد والإنذار المبكر، وتطوير آليات التدخل السريع، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين. فمديرية الأرصاد الجوية لعبت دورا محوريا في إصدار نشرات إنذارية دقيقة، مكنت السلطات من استباق الخطر واتخاذ الإجراءات الضرورية قبل تفاقم الوضع.
ويؤكد المقال أن التعليمات الملكية السامية أعطت دفعة قوية لتعبئة مختلف القطاعات، حيث انخرطت القوات المسلحة الملكية والسلطات المحلية، والوقاية المدنية، ومصالح التجهيز والماء، في عمليات إجلاء السكان من المناطق المهددة، وتسخير الإمكانيات اللوجستيكية من آليات ومعدات في ظرف وجيز. وقد مكن هذا التفاعل السريع من تقليص حجم الخسائر البشرية رغم صعوبة الظروف الطبيعية وقوة السيول.
كما يتوقف الأستاذ شحتان عند البعد المؤسساتي في إدارة الأزمة، مشيرا إلى أن التنسيق بين المصالح أصبح قائما على التخطيط القبلي وتوزيع الأدوار بشكل واضح. فمفهوم القيادة الميدانية الموحدة وتفعيل لجان اليقظة الإقليمية، ساهما في اتخاذ قرارات آنية تستجيب لمتطلبات كل منطقة على حدة.
ولا يغفل المقال دور المجتمع المدني ووسائل الإعلام، اللذين أسهما في نشر الوعي، وتأطير المبادرات التضامنية، ومحاربة الأخبار الزائفة التي قد تربك جهود التدخل. فقد برزت مبادرات محلية لتقديم الدعم والإيواء والمساعدات، مما عزز روح التضامن ورسخ الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وفي بعده الاستراتيجي يدعو الكاتب إلى ترسيخ منطق الوقاية بدل الاكتفاء بمنطق التدخل بعد وقوع الكارثة، عبر الاستثمار المستمر في البنيات التحتية المائية، وصيانة قنوات تصريف المياه وتقوية السدود، وتأهيل مجاري الأودية، مع إدماج معطيات التغير المناخي في التخطيط العمراني. فالتحديات المقبلة، بحسب المقال ستفرض مزيدا من الجاهزية والتكامل بين السياسات القطاعية.
ويخلص الأستاذ إدريس شحتان إلى أن نجاح تدبير الفيضانات يقاس بمدى قدرة الدولة على حماية الأرواح، وضمان استمرارية المرافق الحيوية، واستعادة الحياة الطبيعية في أسرع وقت. ويرى أن التجربة الأخيرة قدمت نموذجا في الحكامة الرشيدة، وأكدت أن التنسيق الفعال بين الدولة والمجتمع هو صمام الأمان في مواجهة الكوارث، ورسالة واضحة بأن الاستثمار في الاستباقية والتخطيط هو الخيار الأنجع في زمن التقلبات المناخية المتسارعة.














