السمارة في الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء.. إشعاع وطني ودبلوماسية محلية بتوقيع تنموي جماعي.
عرفت مدينة السمارة خلال هذه السنة واحدة من أضخم وأجمل محطات الاحتفال بذكرى المسيرة الخضراء المظفرة منذ عقود، حيث تحولت المدينة على امتداد أيام عديدة، إلى خلية نحل نابضة بالحياة والحركة، جسدت عمق الانتماء الوطني وصدق الارتباط بالثوابت الجامعة للمملكة. الذكرى الخمسون للمسيرة الخضراء شكلت منعطفا نوعيا في مسار التنمية المحلية بالسمارة، وحدثا وطنيا بطابع محلي متميز عكس مدى التحول الذي تعيشه المدينة على كافة المستويات.
منذ مطلع السنة الجارية بدأت معالم التحضير لهذه الذكرى تتشكل بتنسيق محكم بين مختلف المتدخلين تحت الإشراف المباشر لعامل الإقليم الدكتور إبراهيم بوتوميلات، الذي بصم على حضور ميداني قوي وروح تدبيرية عالية أضفت على مجمل الأوراش طابع الجدية والالتزام. فمن مبادرة “نحبك السمارة We love Smara” التي أطلقت دينامية غير مسبوقة في تجميل المدينة وصيانة فضاءاتها العامة، إلى تنظيم الندوات واللقاءات الفكرية والعلمية، والأنشطة الرياضية والثقافية والفنية، كانت الرؤية العامة واضحة بجعل الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء لحظة وعي جماعي ورسالة وطنية متجددة تنطلق من السمارة نحو الوطن كله.
الدكتور بوتوميلات بعزيمته الهادئة وإدارته الحازمة، استطاع أن يوحد كل الفاعلين حول هدف واحد، بإبراز الصورة الحقيقية للسمارة كمدينة تتنفس الوطنية، وتحتضن مشاريع التنمية بكل مسؤولية وطموح. هذا الانسجام بين السلطات المحلية والمجالس المنتخبة، ومكونات المجتمع المدني، جعل من الاحتفالات مسرحا للتلاحم والتعاون، حيث تداخل العمل المؤسساتي مع الجهد الشعبي في لوحة وطنية قل نظيرها.
المرحلة الأولى من هذه الاحتفالات، التي تميزت بالحملة التحسيسية والتنموية “نحبك السمارة” شكلت أرضية صلبة للمرحلة الثانية ذات الطابع الدولي. فقد رسخت خلالها قيم الجمال والنظافة والانتماء، عبر صباغة الأرصفة وتزيين الجدران ورسم الجداريات الهادفة، إلى جانب إشراك الساكنة في مسؤولية الحفاظ على المظهر العام للمدينة. كانت هذه المبادرة تعبيرا عن وعي تنموي حديث يجعل من المواطن محورا للعمل الجماعي.
أما المرحلة الثانية فقد نقلت السمارة إلى واجهة الأحداث الدولية، حيث احتضن المركز الثقافي الشيخ سيدي أحمد الركيبي، ومركز الاستقبال والندوات، ومقر ملحقة السلام التابعة لجماعة السمارة، لقاءات اقتصادية ودبلوماسية رفيعة المستوى جمعت وفودا من إفريقيا وأوروبا والخليج. حدث غير مسبوق في تاريخ المدينة، هذه اللقاءات أكدت أن السمارة أصبحت بوابة استراتيجية نحو العمق الإفريقي، ومنصة اقتصادية واعدة ضمن المبادرة الملكية الأطلسية.
وخلال هذه الفعاليات المميزة، تم توقيع اتفاقيات توأمة مهمة بين جماعة السمارة وجماعة أمكالة من جهة، وعدد من الجماعات الأجنبية المشاركة من إفريقيا وأوروبا من جهة أخرى، في خطوة تروم تعزيز التعاون اللامركزي والانفتاح على تجارب تنموية جديدة. وقد حظيت هذه الخطوة بإشادة واسعة لما تحمله من دلالات استراتيجية وتنموية تؤكد أن الجماعات الترابية بإقليم السمارة أصبحت فاعلا رئيسيا في الدبلوماسية المحلية.
كما نالت الجهود الكبيرة التي يبذلها كل من المهندس مولاي إبراهيم شريف رئيس جماعة السمارة، وفاطمة سيدة رئيسة جماعة أمكالة، تنويها خاصا من مختلف الوفود المشاركة، لما أبدياه من التزام ومسؤولية في تطوير الأداء الجماعي، والمساهمة الفعالة في إنجاح هذه التوأمات التي تعكس رؤية منفتحة نحو الشراكة والتعاون الدولي. وقد اعتبر عدد من الحاضرين أن هذا الانخراط الواعي من طرف رؤساء الجماعات يجسد روح القيادة المحلية الجديدة التي تسعى إلى النهوض بالتنمية من خلال الانفتاح والتواصل.
ولم يكن هذا الزخم التنموي ليبلغ هذا المستوى لولا التفاعل الإيجابي لمختلف الأجهزة المحلية، رجال السلطة والأمن الوطني والقوات المساعدة والدرك الملكي والوقاية المدنية، الذين واكبوا كل الفعاليات بحس وطني عال وضمان تام للأمن والنظام. كما لعبت الجمعيات الهادفة ووسائل الإعلام المحلية دورا محوريا في نقل الحدث، وتوثيق اللحظات التاريخية، وتسويق الصورة الحقيقية لمدينة السمارة، مدينة الانفتاح والنماء والمواطنة الفاعلة.
أما الإعلام المحلي فكان بحق الشريك المواكب، والمرآة التي عكست دينامية المدينة من خلال التغطيات اليومية الميدانية التي أبرزت حجم الجهود المبذولة، وسلطت الضوء على المبادرات الخلاقة التي ميزت الاحتفالات. لقد تحول الإعلام إلى أداة توثيق وتنمية، وهو ما جعل حضور الصحفيين المحليين خلال هذه المناسبة محط إشادة من الجميع.
وفي ختام الاحتفالات أقيم الحفل الختامي الكبير الذي جمع مختلف المكونات المحلية في مشهد وحدوي بامتياز. كلمات الشكر التي ألقاها الكاتب العام للعمالة، وممثلو الجماعات الترابية والقطاعات الوزارية، جسدت روح الاعتراف الجماعي بنجاح هذا الموعد الوطني الذي تجاوز كل التوقعات.
هكذا أثبتت السمارة مرة أخرى أنها مدينة التاريخ والجهاد الوطني و مدينة المستقبل، بفضل قيادة ميدانية حكيمة، ورؤية تنموية طموحة وإرادة جماعية صادقة. لقد كانت الذكرى الخمسون للمسيرة الخضراء المظفرة لحظة فاصلة في مسار المدينة، كشفت عن نضجها المؤسسي وطاقتها البشرية، واستعدادها للانخراط الكامل في مشاريع المغرب الكبير تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.