Take a fresh look at your lifestyle.

كيف تم تغييب عمر ميارة عن الذكرى الخمسين.. وهو مهندس وجزء من التحضير؟

يستمر سؤال الإقصاء في مدينة السمارة في طرح ظلاله على الساحة الثقافية والإعلامية، ومع كل محطة كبرى تتجدد الحيرة، ويتكرر المشهد ذاته..! تغييب الكفاءات الحقيقية وإبعاد الوجوه التي صنعت الإشعاع المحلي بجهدها واجتهادها. وأبرز ما أثار النقاش خلال الاحتفال بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، هو غياب الفاعل الجمعوي ومؤسس الفعل المسرحي بالسمارة و المخرج السينماني والقامة الإعلامية “عمر ميارة” ذلك الاسم الذي أصبح بمرور السنوات أيقونة لا يمكن تجاوزها بشهادة الجميع دون أن يترك غيابه علامة استفهام واسعة لدى الجميع.

فالسمارة بكل ما تحمله من سجل فني ثقافي، كانت له بصمة في كتابته أو التأسيس له ذاكرة وتاريخ، ارتبطت بعمر ميارة بوصفه أحد أبرز وجوهها، صاحب الحضور الهادئ والواثق، واللغة الرصينة، والكاريزما التي تمنح للفعاليات نفسا خاصا. فهو واجهة ثقافية راكمت تجربة غنية في مجالات الفن والثقافة و الإعلام والتأطير والعمل الجمعوي والإبداع البصري. ولذلك لم يكن تغييبه عاديا ولا عابرا، خاصة في مناسبة وطنية بهذا الحجم.

لكن المفارقة الأكبر أن “عمر ميارة” لما تلقى دعوة الحضور لبى الدعوة بكل حماس وكان من الشخصيات الحاضرة في اللقاءات التحضيرية لهذه الاحتفالات الوطنية، وتم إدراج اسمه ضمن اللجنة الفنية، و قدم تصورا خاصا من إبداعه لتجويد الفقرات والأنشطة النوعية التي ترقى لمستوى المناسبة وتعكس قيمة الحدث. ومع ذلك كانت الصدمة حين وجد نفسه يبعد تدريجيا ( بفعل فاعل )… ثم يقصى بشكل كامل دون تفسير أو تبرير مقنع، في مشهد ترك الكثيرين في حيرة مما جرى.

هذا الإبعاد المفاجئ والذي ترك استياء كبيرا لدى أهل السمارة أثار موجة من التساؤلات في الشارع المحلي..! أسئلة تتردد في النقاشات الخاصة والعامة، وتدفع إلى البحث عن خلفيات هذا التصرف الذي يبدو في نظر الكثيرين امتدادا لسلوك تهميش ممنهج يطال الكفاءات بالسمارة. فكيف لرجل غيور على منطقته وضحى من أجلها لعقود من الزمن، خلالها كون أجيالا من المواهب، فهو كفاءة جمع بين الثقافة المحلية والفن التشكيلي والكتابة المسرحية والتقديم التلفزيوني والإخراج السينمائي والخبرة في تنظيم التظاهرات الفنية والمسرحة والثقافية والعمل الصحفي، وكان حاضرا بقوة في مختلف الملتقيات والمناسبات وتمثيل السمارة وطنيا ودوليا.. أن يتم إقصلاءه بهذه البساطة وفي لحظة وطنية يفترض أن يكون أحد أبرز مرافقيها..؟

ولا يتعلق الأمر هنا بشخص واحد، بل بظاهرة أوسع تتكرر مع كل مناسبة..! إبعاد أصحاب التجربة والاستحقاق، واستبدالهم بأسماء لا تحمل نفس الحمولة المهنية ولا نفس العمق الثقافي. وكأن المدينة دخلت دائرة ضيقة من الخيارات المحدودة، حيث لا مكان لمن يضيف قيمة حقيقية أو يشكل فارقا في جودة الفعل الثقافي.

وما يزيد المفارقة قوة أن الأقدار شاءت أن يحط عمر ميارة رحاله بمدينة الداخلة في تلك الأيام، وهناك فتحت له الأبواب التي أغلقتها السمارة. وجد نفسه فجأة أمام فرصة اعتلاء منصة الاحتفالات الرسمية للذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء في الداخلة… وكأن القدر أراد أن يقول له “إذا ضاقت الأرض هنا، فإن فضاء آخر يتسع لك” بعد أن صدت السمارة أبوابها فتحتها الداخلة بكل تقدير واحترام لكفاءته.

عمر ميارة.. بما يحمله من خبرة أكاديمية وصحفية، وبما قدمه من جهود في المجال الجمعوي والإبداعي، لا يزال بالنسبة لكثيرين رمزا من رموز الكفاءات المحلية التي لا تنال حظها الطبيعي. ولعل الأسئلة التي أثارها غيابه ليست سوى انعكاس لمشاعر عامة تتساءل عن موقع أبناء المدينة في البرامج الرسمية.

وعلى الرغم من هذا التغييب، يبقى حضور عمر ميارة راسخا في ذاكرة السمارة، فهو واحد من الأصوات التي رافقت محطات المدينة منذ عقود بصدق المهنية وسمو الأداء. وما يردده الناس اليوم هو تأكيد على أن الكفاءات لا تمحى بقرار، ولا تنسى بتجاهل، وأن من صنع لنفسه مكانة بالعمل والجد سيظل جزءا من المشهد مهما حاول البعض طمسه.!

ويبقى السؤال مطروحا ما لم يتغير المنطق الذي يحكم المشهد..! لماذا يقصى من يملك الخبرة..؟ ولمصلحة من يهمش من يمثل المدينة خير تمثيل..؟ وما الذي يمنع الإنصاف حين تكون الكفاءة واضحة لا تحتاج إلى تبرير..؟

قد يغيب عمر ميارة عن منصة واحدة، لكن صوته حاضر في الذاكرة، وحضوره ثابت في النفوس، وسيظل النقاش مفتوحا ما دام الإقصاء يتكرر، وما دام صدى السؤال أكبر من قدرة أي جهة على إسكاته.

قد يعجبك ايضا