مشروع قانون حماية الطفولة بين المقاربة الحقوقية ونزعة التنظيم المؤسساتي

إدارة النشر24 ديسمبر 2025آخر تحديث :
مشروع قانون حماية الطفولة بين المقاربة الحقوقية ونزعة التنظيم المؤسساتي

أكد المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن مشروع القانون رقم 29.24 المتعلق بإحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة وبمراكز حماية الطفولة ومؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة بالأطفال، ما يزال في صيغته الراهنة يحمل طابعا مؤسساتيا واضحا، ويحتاج إلى مراجعة جوهرية لتعزيز الضمانات المرتبطة بالبدائل، ومبدأ المشاركة وآليات المراقبة حتى لا يقتصر دوره على إعادة هيكلة المؤسسات القائمة دون إحداث تحول حقيقي في مقاربة حماية الطفولة.

وفي هذا السياق أشار عبد الرفيع حمضي مدير مديرية الرصد وحماية حقوق الإنسان بالمجلس، إلى غياب التنصيص الصريح على حق الطفل المودع في الاستفادة من برنامج مواكبة وإعادة تأهيل فردي يستند إلى مقاربة حقوق الطفل، ويترجم في مشروع حياة شخصي ومخصص لكل طفل. كما سجل محدودية اختصاصات الوكالة المقترحة في ما يتعلق بالمواكبة اللاحقة لمغادرة مراكز الحماية، وضعف اشتغالها مع المحيط الأسري والعائلي.

وخلال يوم دراسي نظمته لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب بشراكة مع وزارة العدل، شدد حمضي على أن أي تصور لمشروع حياة الطفل يظل ناقصا ما لم يقم على مقاربة ثلاثية الأبعاد تشمل الطفل نفسه، وأسرته ومحيطه الاجتماعي. كما نبه إلى أن التقرير السنوي المنصوص عليه في المادة 17 يقتصر على عرض حصيلة أنشطة الوكالة، دون ربطه بالمهام التحليلية والاستشارية المنصوص عليها في المادة 7، وهو ما يحد من دوره في تقييم وضعية الطفولة ومنظومة حمايتها.

وأبرز المسؤول الحقوقي أن مشروع القانون يقصي الأطفال المودعين بمراكز التهذيب والإصلاح من نطاق تدخل الوكالة، معتبرا أن هذا الإقصاء يشكل مساسا بمبدأ المساواة ويكرس تجزئة غير مبررة في نظام حماية الطفولة. كما توقف عند غياب أي تنصيص واضح على دور المجالس الترابية في إحداث وتدبير هذه المراكز، خلافاً لما هو معمول به في عدد من التجارب الدولية، فضلا عن ضعف آليات إشراك الأطفال في اتخاذ القرار، ومحدودية سبل التظلم والانتصاف.

وفي معرض حديثه عن التجارب المقارنة، أكد حمضي أن الدول التي حققت تقدما ملموسا في مجال حماية الطفولة هي تلك التي نجحت في تقليص اللجوء إلى الإيداع داخل المؤسسات، واعتمدته كخيار استثنائي، مع ربط هذه المؤسسات بآليات المساءلة، وجعل الطفل فاعلا أساسيا في مساره، لا مجرد موضوع للتدخل.

كما شدد على أن المقاربة الحقوقية تمثل المدخل الأساس لقراءة مشروع القانون، موضحا أن حماية الطفولة لا تختزل في توفير البنايات أو الأطر أو الموارد المالية، رغم أهميتها، بل تنطلق من اعتبار الطفل ذاتا كاملة الحقوق. واعتبر أن نجاعة السياسات العمومية تقاس بمدى قدرتها على ضمان الحقوق الأساسية للأطفال، وليس بعدد المؤسسات أو حجم الميزانيات المرصودة.

وفي هذا الإطار ذكر بأن من بين الحقوق الجوهرية التي يجب صونها الكرامة، والسلامة الجسدية والنفسية، والحق في التعليم، والرعاية الصحية، والمشاركة، والتعبير، والتظلم، والحماية من كافة أشكال العنف والتمييز.

وأشار حمضي إلى أن مشروع القانون يتبنى، على مستوى المبادئ، عددا من المرجعيات الحقوقية، من قبيل المصلحة الفضلى للطفل، وحظر التمييز، وصون الكرامة، غير أن الإشكال الحقيقي، حسب قوله، لا يكمن في هذه المبادئ المعلنة، وإنما في آليات تفعيلها وترجمتها إلى مقتضيات عملية واضحة داخل النص التشريعي.

وفي ختام مداخلته أكد أن التزامات المغرب الدولية، خاصة تلك الناشئة عن اتفاقية حقوق الطفل وقواعد بكين وقواعد هافانا، تفرض اعتماد مقاربة قائمة على حقوق الطفل، وجعل الإيداع داخل المؤسسات إجراء استثنائيا، مع إعطاء الأولوية للبدائل الأسرية والمجتمعية، وضمان مشاركة الأطفال في القرارات التي تهمهم، وتوفير آليات تظلم فعالة ومستقلة.

واعتبر حمضي أن هذا النقاش يندرج ضمن مسار وطني تراكمي، إذ سبق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، منذ سنة 2019، أن أصدر تقارير سنوية تضمنت توصيات واضحة بشأن وضعية مراكز حماية الطفولة، كما قامت الآلية الوطنية لحقوق الطفل والآلية الوطنية للوقاية من التعذيب بزيارات ميدانية لهذه المراكز، أفضت إلى إعداد تقارير عمومية شخصت بدقة الاختلالات البنيوية والوظيفية التي تعاني منها.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة