انتصار للشرعية الدستورية وصرخة تحذير في وجه “العبث السياسي” بقطاع الصحافة.

إدارة النشر24 يناير 2026آخر تحديث :
انتصار للشرعية الدستورية وصرخة تحذير في وجه “العبث السياسي” بقطاع الصحافة.

يقدم بلاغ الجمعية الوطنية للإعلام والناشرون الصادر بتاريخ 23 يناير 2026، قراءة تحليلية عميقة ووازنة لأزمة مركبة يعيشها قطاع الصحافة في المغرب، متجاوزا لغة البيانات التقليدية ليلامس جوهر الصراع الدائر بين الإرادة المهنية المستقلة وبعض التجاذبات السياسية الظرفية. يستهل البلاغ موقفه بتأسيس دستوري متين، عبر التثمين العالي لقرار المحكمة الدستورية، وهو موقف يحمل دلالات تتعدى الإشادة البروتوكولية، إذ تعتبر الجمعية هذا القرار بمثابة إعادة اعتبار جوهرية لمبدأي الشرعية والمشروعية اللذين كادا أن يعصف بهما التوظيف السياسي للنصوص القانونية. إن هذا الانتصار القضائي من منظور الجمعية، هو تكريس لا رجعة فيه لاحترام القواعد المنظمة للمؤسسات المهنية، وفي مقدمتها مبدأ “التنظيم الذاتي” المقدس لدى الجسم الصحفي، والذي يعني حق المهنيين في تدبير شؤونهم بأنفسهم بعيدا عن وصاية الفاعل السياسي أو تدخلاته المباشرة.

وينتقل البلاغ من التأسيس المبدئي إلى الاشتباك المباشر مع الواقع، موجها نقدا لاذعا ومفصلا لسلوك “بعض مكونات الفاعل السياسي”، واصفا إياه بـ”المنهج الانتقائي” و”الكيل بمكيالين”. وتشرح الجمعية هذا الموقف بالقول إن إحالة القانون المنظم للمجلس الوطني للصحافة حصرا إلى المحكمة الدستورية، مع “التغاضي” المتعمد عن قوانين أخرى ذات أهمية كبرى، يمكن فهمه أنه تحرك تحكمه “حسابات سياسية ضيقة” وخلفيات “غير بريئة”. هذا التحليل يذهب إلى أن الهدف لم يكن تقويم اعوجاج قانوني، بقدر ما كان استهدافا مباشرا لتعطيل المسار المؤسساتي للقطاع، ومحاولة لـ “إفراغ التنظيم الذاتي من محتواه”، وتحويل المؤسسات التمثيلية للصحفيين إلى هياكل صورية عاجزة عن الفعل والتأثير.

لا يكتفي البلاغ بالتشخيص السياسي والقانوني، بل يغوص في رصد التكلفة المادية والاجتماعية الباهظة لهذا “العبث بزمن القطاع”. ويقدم البلاغ جردة حساب مؤلمة للأضرار المباشرة التي لحقت بالمهنيين والمقاولات على حد سواء. فعلى المستوى الإداري، أدى هذا الوضع إلى “توقيف غير مبرر في تسليم البطاقات المهنية”، وهو ما يمس في الصميم حق الصحفي في ممارسة مهنته بهوية قانونية واضحة. وعلى المستوى المالي والمؤسساتي يكشف البلاغ عن واقع خطير يتمثل في “عدم صرف أجور موظفي المجلس الوطني للصحافة لأكثر من ثلاثة أشهر” في خطوة تبدو كأنها محاولة لخنق المؤسسة المنظمة للقطاع ماليا. أما الأثر الاجتماعي الأشد وطأة، فيتجلى في “تعطيل كل المسالك المؤدية إلى توقيع الاتفاقيات الجماعية للرفع من أجور الصحفيين والعاملين”، وهو ما يعني أن المناكفات السياسية باتت تقف حجر عثرة أمام تحسين الأوضاع المعيشية لآلاف العاملين في القطاع، مهددة بذلك الاستقرار الاجتماعي داخل المقاولات الإعلامية.

وفي ختام هذه المرافعة الشاملة، تؤسس الجمعية الوطنية للإعلام والناشرون لمرحلة جديدة من التعبئة، معلنة، بصفتها الإطار الأكثر تمثيلية، عن عزمها عقد اجتماع موسع لتقييم دقيق للمرحلة واتخاذ “القرارات المناسبة دفاعا عن استقلالية المهنة”. وتنتهي الوثيقة برسم خطوط حمراء واضحة عبر لغة حازمة وشعارات قوية، مؤكدة أن الصحافة، برسالتها النبيلة في المجتمع، “ليست مجالا لتصفية الحسابات السياسية”، و”ليست ورقة تفاوض” في يد السياسيين، والأهم أنها “ليست صندوق رمل لتجارب السياسيين”. فهي رسالة تحذير أخيرة تحمل من يعبثون بالقطاع لأهداف غامضة مسؤوليتهم الكاملة أمام التاريخ والرأي العام، وتربط بشكل جدلي بين احترام الصحافة واحترام الدستور وحق المجتمع في إعلام حر ومسؤول.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة