مجلس النواب-29 يناير 2026
باسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على آله وصحبه الأكرمين
السيدة الرئيسة،
السادة الرؤساء،
صاحب السعادة سفير الجمهورية الفرنسية،
السيدات والسادة أعضاء المجالس البرلمانية،
السيدات والسادة،
يسعدنا كثيرا في البرلمان المغربي باستقبالكم، أصدقاءَ وشركاءَ وحلفاءَ وضيوفاً استثنائيين في فضاء مؤسساتي للحوار ومناقشة قضايا تَقَعُ في صميم الدينامية المتجددة للعلاقاتِ القوية ومتعددةِ الأبعاد التي تجمع المملكةَ المغربية والجمهوريةَ الفرنسية.
ولَئِنْ كانت الفترةُ الفاصلةُ بين الدورتين الرابعة والخامسة للمنتدى البرلماني الفرنسي-المغربي، أطولَ من المعتاد، خاصة بسبب جائحة كوفيد 19 وتداعياتها على التواصل وعلى مختلف مناحي الحياة، فإن العلاقات بين برلمانيْ البلدين شهدت خلالها دينامياتٍ إيجابيةً ومُنتجةً، جسدتها الزياراتُ المتبادلة والمشاورات المنتظمة بيننا وجسدها التعاون التقني، الثنائي وفي الإطارات متعددة الأطراف.
ولكنَّ الأهمَّ في المرحلةِ تلك، هو الانْعِطَافَةُ الإيجابية الكبرى، التي تحققت في العلاقات المغربية-الفرنسية على أعلى مستوى، كما جسدتها الزيارةُ التاريخية التي قام بها، في أكتوبر 2024، فخامة الرئيس Emmanuel Macron لبلادنا بدعوةٍ كريمةٍ من صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، والنتائجَ الحاسمة التي حققتها القمة التي جمعت قائدي البلدين الصديقين والحليفين.
ففي زيارةِ الدولةِ تلك تجسدتْ قوة هذه العلاقات، كما تجسد العزم الحاسم من الطرفين على تجديد الشراكة الاستراتيجية متعددة الأبعاد، على أساس الثقة المتبادلة، والدعم المتبادل، والتوجه إلى المستقبل بروح دولتين عريقتين حريصتين على الاستقرار والسلم والعيش المشترك، والعدالة في العلاقات الدولية، وتسخير إمكانيات الحاضر من أجل الأجيال المقبلة. وتلكم من سِمَاتِ ما يجمعُ الدولَ والأممَ الجديرةَ بهذا الاسم.
هذا، ما جسده أيضا، وبوضوح وبفخر “إعلان الشراكة الاستثنائية الوطيدة
Déclaration relative au «Partenariat d’exception renforcé» الذي وقعه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وفخامة الرئيس EMMANUEL Macron بالديوان الملكي بالرباط يوم 30 أكتوبر 2024،
وما جسدته الاتفاقيات والبروتوكولات التي فاق عددها العشرين، التي وقعت تحت رئاسة قائدي البلدين يوم 28 أكتوبر 2024.
ويؤكد إعلان الشراكة هذا، عمقَ وتنوعَ الشراكة المغربية الفرنسية وطابعها الاستثنائي والاستراتيجي، وهو عربونٌ على تصميم البلدين على توظيفها في مواجهة التحديات التي هما مدعوان لرفعها من خلال “تعبئة كافة القطاعات ذات الصلة في التعاون الثنائي والإقليمي والدولي”.
وقد كان خطاب فخامة الرئيس ماكرون، هنا، في قاعة الجلسات الكبرى بمجلس النواب، أمام كافة أعضاء مجلسيْ البرلمان المغربي وأعضاء الوفد الرسمي المرافق لفخامته، بمثابة إعلان سياسي يزخر بالنبل، ومعاني الوفاء لهذه الشراكة والمودة إزاء بلد صديق وشريك.
وقد طبعتِ اللحظةُ التي أعاد فيها فخامته التأكيد على أن حاضر ومستقبل الصحراء المغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية، وأن مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب الى الأمم المتحدة في 2007، هو الأساس الوحيد لتسوية سياسية عادلة ودائمة لهذه القضية، كما سبق له أن أكد ذلك يوم 30 يوليوز 2024 في الرسالة التي بعث بها إلى صاحب الجلالة أعزه الله، بمناسبة عيد العرش (كانت لحظة) طبعت علاقات المغرب وفرنسا وقَدَّرَهَا منتخبو الشعب المغربي أيما تقدير.
ولا يسعنا في مناسبة هذه القمة البرلمانية، إلا أن نعيدَ التأكيد على تقديرنا وشكرنا الوافر، باسم أعضاء المؤسسة التشريعية المغربية، لهذا الموقف الحاسم من جانب فخامة الرئيس، ومؤسسات الجمهورية الفرنسية الصديقة، إزاء قضية وجودية بالنسبة للشعب المغربي، تعرف فرنسا، شعبا ومؤسسات، درجة قُدْسِيَّتِها، وسُمُوِّها وحُرْمَتِها في الضمير الجَمْعِي للأمة المغربية.
الزميلات والزملاء،
يُطَوّْقُنَا – نحن برلمانيي المغرب وفرنسا – الزخم الجديد في العلاقات الثنائية، وطابعها الطَّموح، بمسؤولياتٍ جِسَامٍ، ليس في ما يرجعُ إلى المواكبة التشريعية لشراكتنا فحسب، ولكن بِصَوْنِ هذه الشراكة وبجعل مؤسساتنا التشريعية في قلب هذه الدينامية بالمبادرة والاقتراح، والانخراط العملي في تفعيلها، وفي جعل الرأي العام ومختلف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والمدنيين، يتملكون وينخرطون في هذه الشراكة، وخاصة في تقدير حجمها، ومعانيها، وطموحها، وطابعها الاستراتيجي النبيل. ومن شأن ذلك أن يمنحها، بعداً مؤسساتيا، ومواكبةً ديموقراطية من جانب المؤسسات التمثيلية.
ويعكس منتدانا هذا، والمحاور التي اخترناها معًا لتكون موضوع دورته الخامسة، هذا الانخراط. فالقضايا التي نناقش اليوم، هي في صلب إعلان الشراكة الاستثنائية، والاتفاقيات التي تجمع البلدين، وهي تجسد بالتأكيد التوجهَ إلى المستقبل. فسواء تعلق الأمر بالطاقات المتجددة والانتقال الطاقي، أو الآفاق الجديدة للشراكة الاقتصادية المغربية الفرنسية، فإن الأمر يتعلق بالتفاعل البرلماني مع الدينامية الجديدة التي تميز هذه الشراكة.
أقول هذا وأنا مدركٌ لحقيقةِ أن عمقَ الراوبط المغربية الفرنسية، على الرغم مما قد تواجهه من عوارض، أكبر من أن تختزل في الاقتصاد، حيث عرف بَلَدَانَا كيف ينسجان شراكات مكثفة ومتنوعة ومتقدمة.
فغنى العلاقات البشرية بينهما أقوى من كل الروابط الأخرى. ويتجسد ذلك في دينامية الجاليتين الفرنسية في المغرب، والمغربية في فرنسا، و في الشراكات والعلاقات العلمية والثقافية، وفي مجال الإبداع، والتكوين عالي المستوى. فالطلبة المغاربة في مدارس ومعاهد الهندسة والاقتصاد بفرنسا يتصدرون الطلبة الأجانب بنسبة أكثر من عشرين في المائة فيما يشكل المغاربة نسبة 10% من مجموع الطلبة الأجانب بفرنسا، باحتساب جميع الجامعات والتخصصات.
وثمة أيضا الإنتاج الرمزي المغربي، الأدبي والفكري عامة، المكتوب باللغة الفرنسية، والإنتاجات المتميزة لكتاب مرموقين، وسياسيين وملاحظين فرنسيين موضوعيين، يقدمون المغرب، تاريخا وحضارة وتنوعا، إلى العالم من خلال مؤلفات ودراسات رصينة، مدافعين عن الحقيقة في ما يرجع الى قضايانا الجوهرية، وبالخصوص قضيتنا المركزية الأولى: قضية أقاليمنا الجنوبية، وعن المشترك الثقافي والقيمي بين بلدينا. إنها أعمدة وركائز تستند إليها شراكاتنا، وتمكننا من تحويل التحديات إلى فرص، وآفاق جديدة أرحب للتعاون المنتج للقيم المضافة.
وبجانب كل ذلك، ثمة المشترك القيمي وتشبث أمتينا بقيم العيش المشترك والتنوع، والديموقراطية، وحقوق الإنسان، والتسامح.
وفي سياق دولي وإقليمي جيوسياسي، متموج واقتصادي يتسم باللايقين والهشاشة، وعلاقات دولية سمتها الانشطار، والتقلب في المحاور والتكتلات والتحالفات، تقع على بلدينا اللذين يتقاسمان الانتماء إلى حوض البحر الأبيض المتوسط والواجهة الأطلسية، وإلى قارتين متجاورتين، مسؤوليات كبيرة، في رفع التحديات الإقليمية ضمن أدوارهما -بالطبع- مع باقي الشركاء الأساسيين في الإقليم وأعضاء المجموعة الدولية المومنين بالديموقراطية والحرية والعدالة في العلاقات الدولية.
السيدات والسادة،
تشكل هذه الأسسُ الصلبة لشراكتنا، رافعات أساسية من أجل التوجه إلى المستقبل واستشراف قطاعات جديدة. وعلينا في هذا الصدد أن نبني على ما تحقق، وما هو قيد الإنجاز في تعاوننا، ونبدع في التعاون والاستثمار في القطاعات ذات القيمة المضافة في المستقبل: الطاقات المتجددة والانتقال الطاقي والاقتصاد الأخضر، والذكاء الاصطناعي، وتعبئة المياه، وتحلية مياه البحر، والنقل المستدام المحترم للبيئة، والبنيات التحتية الضرورية للتجارة وللمبادلات الدولية.
في كل ذلك يمكن لتوحيد جهود بلدينا أن يحقق الكثير من حيث الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، وتقاسم المهارات والمعارف، في الإطار الثنائي من بلدينا، وفي إطار الآفاق الدولية لتعاوننا وعملنا المشترك.
ويمثل عمقنا الإفريقي أحد هذه الآفاق الواعدة حيث يمكن توجيه جهدنا المشترك. وبالتأكيد، فإن مبادرات صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله من أجل تيسير صعود إفريقيا، تعتبر فرصا ثمينة للاستثمار وبناء الازدهار المشترك. فلكم أن تتصوروا المردودية التاريخية، على المستويات البشرية والاقتصادية والحضارية، لمبادرة جلالته بشأن البلدان الإفريقية الأطلسية، إذ يتعلق الأمر بفضاء يضم 23 بلدا، ويعيش به 46% من سكان القارة ويتمركز به نسبة 55% من الناتج الداخلي الخام الإفريقي، ويتوفر على مجال بحري شاسع يمتد من طنجة إلى رأس الرجاء الصالح.
ولكم أن تتصوروا مردودية الاستثمار في هكذا مجال غني بالموارد وبغذاء المستقبل، وكفيل باحتضان أنشطة وتجهيزات أساسية مع ما يستلزمه ذلك من استثمارات استراتيجية ومن آفاق جديدة للتعاون الدولي.
وتتكامل هذه المبادرة مع مبادرة ملكية تضامنية أخرى تتمثل في تمكين بلدان الساحل الإفريقية التي لا تتوفر على منفذ بحري، من الوصول إلى المحيط الأطلسي، ومع مشروع أنبوب الغاز الأطلسي نيجيريا-المغرب عبر 13 بلدا إفريقيا. وكما تعلمون، فإن أقاليمنا الجنوبية، أي الصحراء المغربية، حيث تتحقق تنمية متعددة الأبعاد، تشكل حلقة وصل وأرضية مركزية في الربط بين إفريقيا وأروبا.
وأعتقد أن بإمكان فرنسا والمغرب، أن يضطلعا، مع حلفائهما، بدور حاسم في تعبئة الاستثمارات والتمويلات والترافع من أجل هذه المشاريع الاستراتيجية، على أساس العدالة لإفريقيا، ووفق شراكة عادلة ومتوازنة، تمكن إفريقيا من أن تصبح قارة صاعدة مزدهرة وجاذبة. ويتعلق الأمر بمبادرات هي في صميم جهود المغرب من أجل التنمية والاستقرار والأمن في إفريقيا، كما جاء في إعلان الشراكة الاستثنائية المغربية الفرنسية.
وتمثلا لهذا الإعلان، حَرَصْنا على نُمَركز مداولات منتدانا هذا حول هذه المواضيع، الى جانب قضايا حيوية في السياقات الإقليمية والدولية الراهنة، من قبيل حقوق المرأة ومشاركة النساء في العمل العمومي، في سياق الحرص على تعزيز الديموقراطية، وتحديات يتجند بَلَدانا في التصدي لها من قبيل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، إيمانا منهما بضرورة الأمن والاستقرار في التنمية والازدهار.
ففي مجال الطاقات المتجددة يفخر المغرب، كما فرنسا، بما يحققانه في مجال إنتاج الطاقة من مصادر متجددة التزاما منهما بخفض الانبعاثات المسببة لاحترار الكوكب الأرضي.
وبالتأكيد، فإن الشراكة المغربية الفرنسية في قطاعات الطاقات المتجددة، ستكون أكثر مردودية ونجاعة من خلال تيسير انخراط المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتوسيع الشراكة ليشمل إنتاج التكنولوجيا الضرورية للقطاع، والبحث العلمي، والتوجه نحو الأسواق العالمية خاصة في إفريقيا، ما من شأنه أن يمنح شراكاتنا محتوى استراتيجيا، مستداما وبمردودية عالية.
في هذا الصدد، يحق للمغرب بأن يفخر بكونه ينتج ويسوق في إطار الشراكة مع فرنسا، مليون سيارة في السنة، مع أفق جد واعد للسيارات الكهربائية والمحترمة للبيئة. إنه نموذج للشراكة الصادقة التي تبني على التراكم بمنطق رابح –رابح.
وتضع هذه النجاحات، والطموح المشترك لتعزيز شراكة استثنائية بين بلدينا خلال القرن الواحد والعشرين، على مؤسساتنا التشريعية، بمسؤوليات جسام بالانخراط السياسي والمواكبة المؤسساتية وتنسيق المواقف على المستوى الدولي والجهوي، فضلا عن تعزيز تبادل الخبرات من أجل ترسيخ الديموقراطية المؤسساتية وإشراك الرأي العام والفاعلين المدنيين في هذا المسعى النبيل.
وقد حققت الشراكة بين برلماني البلدين نتائج مستدامة تثري اليوم الثقافة البرلمانية وتدعو للاعتزاز خاصة من خلال تَوْأَمَتَيْن مؤسساتيتين 2016-2018 و2022-2024، وبالطبع من خلال الحوار السياسي من مستوى عال كما تجسده الزيارات المتبادلة وكما يجسده هذا المنتدى.
وعلينا أن نواصلَ العمل على هذا الطريق ونستشرفَ آفاقاً جديدة لتعاوننا السياسي والمؤسساتي والتقني، بما يشكل رفدا ورافعة برلمانية لشراكتنا الاستثنائية.
أجدد الترحيب بكم وأشكركم على تلبية دعوتنا.













