في سياق يتسم بتصاعد النقاش حول مستقبل قطاع الصحافة والنشر بالمغرب، جاء بلاغ الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين الصادر اليوم الخميس 29 يناير 2026 بالدار البيضاء ليعكس بوضوح تمسك المهنيين بإصلاح عميق ومسؤول للمنظومة الإعلامية، قائم على الشفافية والاستقلالية وصون كرامة الفاعلين في القطاع.
الاجتماع الذي ضم المكتب التنفيذي وحضره عدد كبير من أعضاء الجمعية شكل محطة تنظيمية مهمة لتقييم المرحلة ومواجهة ما وصفته الجمعية بحملة تستهدفها بشكل ممنهج. وقد أكد المتدخلون أن ما تحقق منذ تأسيس الجمعية لم يكن ظرفيا، بل مسارا إصلاحيا متدرجا ساهم في إنقاذ عدد من المقاولات الصحفية من الانهيار، خاصة في سياق تداعيات جائحة كوفيد 19، ووضع أسس رؤية مستقبلية تروم بناء مقاولة صحفية قوية، قادرة على الاستمرار اعتمادا على نموذج اقتصادي أكثر توازنا ووضوحا.
البلاغ أبرز أن الإصلاح الذي تنخرط فيه الجمعية لا يقتصر على الجوانب التقنية أو التنظيمية، بل يشمل تأهيل الموارد البشرية وتحسين أوضاع الصحافيين الاجتماعية والمهنية، وإعادة النظر في أدوار وهياكل المجلس الوطني للصحافة، إلى جانب مواكبة التحولات الرقمية الكبرى، خصوصا ما يرتبط بعلاقة المقاولات الإعلامية بالمنصات العالمية وسوق الإشهار. وهي أوراش تؤكد أن الجمعية تتحرك بمنطق المصلحة العامة للقطاع، وليس بمنطق الامتيازات الضيقة.
وفي ما يتعلق بمستجدات مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة، عبرت الجمعية عن تقديرها لقرار المحكمة الدستورية، معتبرة أنه كرس احترام المؤسسات والمساطر الدستورية، حتى وإن كانت له انعكاسات ظرفية على السير العادي للمجلس. هذا الموقف يعكس حرص الجمعية على تغليب منطق المؤسسات والشرعية القانونية، مع التنبيه في الوقت ذاته إلى ضرورة إيجاد حلول عملية لتفادي شلل بعض المهام الحيوية المرتبطة بالبطاقة المهنية وأدوار اللجان المختصة.
ومن بين أبرز النقاط التي حملها البلاغ، الدعوة الصريحة إلى كشف لائحة المستفيدين من الدعم العمومي الموجه لقطاع الصحافة منذ سنة 2005 إلى 2025. هذا الطرح لا يندرج في إطار تصفية الحسابات، بقدر ما يعكس توجها واضحا نحو تكريس الشفافية وربط الدعم بالنجاعة والمردودية المهنية، بما يخدم صورة القطاع ويعزز ثقة الرأي العام في آليات تمويله.
كما سجلت الجمعية بأسف التصريحات التي صدرت عن أحد الفاعلين السياسيين تحت قبة البرلمان في حق أعضائها ورئيسها، معتبرة أن مثل هذا الخطاب لا ينسجم مع مكانة المؤسسة التشريعية ولا مع الدور الحيوي الذي تضطلع به الصحافة في تأطير النقاش العمومي. وقد اختارت الجمعية في المقابل، التعاطي مع هذا المستجد بروح مسؤولة رافضة الانجرار إلى سجالات هامشية، ومؤكدة تمسكها بموقعها كإطار مهني جامع يضم العديد من المؤسسات الإعلامية.
إن مجمل مضامين البلاغ تعكس توجها واضحا نحو ترسيخ صحافة مهنية قوية ومستقلة، قادرة على مواكبة التحولات، والدفاع عن حقوق العاملين بها، والمساهمة في البناء الديمقراطي والتنموي. وهي رسالة تؤكد أن إصلاح القطاع لا يمكن أن يتم إلا في إطار احترام المؤسسات وتغليب الحوار وتحصين المهنة من كل أشكال التوظيف الضيق.













