سوق حي الطنطان بالسمارة.. مفارقة البنيان الحديث والروح الغائبة

إدارة النشر17 يناير 2026آخر تحديث :
سوق حي الطنطان بالسمارة.. مفارقة البنيان الحديث والروح الغائبة

يشكل “المارشي الصغير” بحي الطنطان بالسمارة تجسيدا صارخا لاختلال بنيوي عميق في تدبير المرافق التجارية المحلية. فمن الناحية النظرية، يبدو السوق مرفقا مثاليا، مهيأ معماريا ووظيفيا للعب دور “سوق القرب” إذ تتوفر فيه شروط السلامة، ويتميز بتصميمه المغطى وموقعه الاستراتيجي وسط نسيج سكني كثيف يفترض أن يضمن له رواجا تجاريا دائما. غير أن الواقع الميداني يعكس صورة نقيضة تماما..! فقد ظل المرفق منذ ترميمه شبه مهجور، بدكاكين موصدة، ونشاط تجاري خافت يقتصر على جزار وبائع خضر، بينما ترزح باقي المحلات تحت وطأة الإهمال ودون استغلال فعلي.

إن هذا التناقض الصارخ بين الجاهزية المادية للمبنى وغياب الروح التجارية عنه، يطرح علامات استفهام كبرى حول أسباب فشل “تعمير” السوق. من الواضح أن جوهر الأزمة لا يكمن في البنية التحتية، بل يرتبط أساسا بغياب رؤية استراتيجية لتقنين وتنظيم هذا النوع من المرافق الحيوية. فالسياسة المحلية في هذا المجال تتسم بالتردد والارتجال، وهو ما خلق فراغا استغلته التجارة غير المهيكلة لتتمدد؛ حيث يفضل أغلب الباعة الاستقرار في نقاط عشوائية خارج أي إطار قانوني، مستفيدين من ضعف آليات المراقبة وغياب الحزم في تطبيق القانون.

وتزداد حدة هذا الإشكال وضوحا عند مقارنة الوضع في السمارة بجارتها مدينة العيون، التي نجحت في إرساء نموذج ناجح لتدبير الأسواق النموذجية. لقد اعتمدت العيون على قرارات صارمة وإرادة تنظيمية قوية، مكنتها من محاصرة الأسواق العشوائية، والارتقاء بشروط السلامة الصحية وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين. في المقابل، لا تزال السمارة تعاني من فراغ قاتل يتمثل في غياب سوق منظم للخضر، وانعدام سوق للسمك يستجيب للمعايير الصحية المعتمدة، مما يجعل النشاط التجاري اليومي رهين الفوضى، وينعكس سلبا على صحة المستهلك وجمالية المدينة.

إن أصل الداء يكمن في ضعف الحكامة، وليس في ندرة المشاريع. فتشييد سوق دون استراتيجية واضحة لتشغيله، ودون حزمة إجراءات تجمع بين الإلزام والتحفيز، يحول هذا الفضاء إلى مجرد كتلة إسمنتية صامتة. كما أن غياب قنوات تواصل جدية مع التجار، وعدم تقديم تحفيزات واقعية كإعادة النظر في السومة الكرائية أو تقديم تسهيلات ضريبية مرحلية ساهم بشكل مباشر في عزوفهم عن الالتحاق بالسوق النظامي.

لتجاوز هذا الجمود يستدعي الموقف حلولا عملية تبدأ بتوفر إرادة سياسية حقيقية تعتبر تنظيم المجال التجاري أولوية حضرية وصحية. كما يتطلب الأمر اعتماد مقاربة تشاركية مع المهنيين، تقوم على مبدأ “التحفيز المتدرج” مقابل تفعيل المراقبة الصارمة للحد من التمركز التجاري غير القانوني في الشوارع. ويظل من الضروري إسناد تدبير هذه الأسواق لجهة مسؤولة ذات كفاءة، وفق دفتر تحملات شفاف يضمن الفعالية والاستمرارية، مع استلهام التجارب الناجحة وطنيا ومحليا، وفي مقدمتها تجربة العيون.

ختاما يبقى سوق حي الطنطان مثالا حيا على الهوة الشاسعة بين “إنجاز المشروع” و”تفعيله”. فالمشكلة ليست في الحجر، بل في البشر والقرار والتدبير. وما دامت العشوائية هي “القاعدة” والتنظيم هو “الاستثناء”، ستظل مثل هذه المرافق عاجزة عن أداء دورها التنموي، إلى أن تتوفر الحكمة والجرأة اللازمتان لإحداث قطيعة فعلية مع واقع الارتجال.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة